1

February

حديث الجمعة 27/11/2009 م

أعوذ بالله من الشّيطان الغويّ الرّجيم
بسم الله الرّحمن الرّحيم

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَـكَ الْحَمْدُ بَدِيْعَ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ، ذَا الْجَلاَلِ وَالإكْرَامِ، رَبَّ الاَرْبَابِ وَإلهَ كُلِّ مَألُوه، وَخَالِقَ كُلِّ مَخْلُوق، وَوَارِثَ كُلِّ شَيْء، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَـيْءٌ، وَلا يَعْزُبُ عَنْهُ عِلْمُ شَيْء، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْء مُحِيطٌ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء رَقِيبٌ، أَنْتَ الله لاَ إلهَ إلاَّ أَنْتَ الأحَـدُ الْمُتَوَحِّدُ الْفَرْدُ الْمُتَفَرِّدُ، وَأَنْتَ اللهُ لاَ إلهَ إلاَّ أَنْتَ الْكَرِيمُ الْمُتَكَرِّمُ، الْعَظِيمُ الْمُتَعَظِّمُ، الْكَبِيرُ الْمُتَكَبِّرُ، وَأَنْتَ اللهُ لاَ إلهَ إلاَّ أَنْتَ العَلِيُّ الْمُتَعَالِ، الْشَدِيْدُ الْمِحَـالِ.
وصلِّ اللّهمّ على أئمّة المؤمنين، وسادة المتّقين، وكبراء الصّدِّيقين، وأمراء الصّالحين، وقادة المحسنين، وأعلام المهتدين، وأنوار العارفين.
اللّهمّ، صلِّ على الرّسول المصطفى، وعلى وصيه وأخيه عليّ المرتضى، وعلى ابنته فاطمة الزّهراء، وعلى سبطيه الحسن والحسين، وعلى الأئمّة المعصومين من ذريّة الحسين: عليّ بن الحسين، ومحمّد بن عليّ، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعليّ بن موسى، ومحمد بن عليّ، وعليّ بن محمد، والحسن بن عليّ، والحجّة الخلف القائم المنتظر المهديّ روحي وأرواح من في العالمين لتراب مقدمه الفدى.
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أوصيكم ونفسي الأمّارة بالسّوء بتقوى الله تعالى، واجتناب محارمه، والالتزام بما أمر به من واجبات، والسّعي قدر الإمكان للمواظبة على المستحبّات، والابتعاد عن المكروهات، فإنّ ذلك بلا شكّ ولا ريب هو ما يأخذ بالإنسان للقرب من الله سبحانه وتعالى، وفي القرب من الله (عزّ وجلّ) سعادة بني آدم، وأنسهم، وراحتهم، وكمالهم، ونسأل الله (عزّ وجلّ) أنْ يأخذ بأيدينا إليه، وأنْ يوفِّقنا للتوبة ممّا لا يرضيه، وممّا يسخطه، ونسأله (عزّ وجلّ) أنْ يمنّ علينا بلطفه ورحمته، ويوفّقنا لطاعته، واجتناب معصيته.

• التاسع من ذي الحجّة عظيم الشأن
التّاسع من ذي الحجة يوم مبارك عظيم الشّأن، وفيه عدّة مناسبات:
أوّلها: إنّه يوم عرفة وهو يوم عظيم جدًّا، وله من المنزلة عند الله سبحانه وتعالى الشيء الكثير والكبير، وهو يوم عبادة، وتقرّب، وطاعة، ونسأل الله تعالى أنْ يوفّقنا فيه لذلك.
ثانيها: في هذا اليوم كان تبليغ سورة براءة، بلّغها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (صلوات الله وسلامه عليه)، وكما يعرف الجميع أنّ هذه السورة عندما نزلت أراد الله سبحانه وتعالى أنْ يكون إبلاغها في الحجّ حيث النّاس مجتمعة من كلّ حدب وصوب، فبعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أبا بكر إلى الحجّاج؛ ليبلغهم هذه السّورة فما أنْ تحرك أبو بكر وإذا بجبرائيل (عليه السّلام) ينزل على المصطفى (صلّى الله عليه وآله)، ويقول له: إنّ الله (عزّ وجلّ) يقول: إنّه لا يبلغ عنه إلا أنت، أو رجل منك، وهذا الحديث وصلنا بطرق كثيرة متعدّدة جدًّا، من طرق العامّة فضلاً عن طرق الخاصّة، فهنا نادى رسول الله (صلّى الله عليه و آله) عليًّا (عليه السلام)، وقال له: الحق بأبي بكر، وخذ منه السورة وخيّره بين أنْ يمضي معك، أو أنْ يرجع، فتحرّك أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولحق بأبي بكر عند المنطقة المعروفة الآن بـ(أبيار عليّ) - تقريبًا ميقات مسجد الشّجرة في هذه المنطقة - وبلّغ أبا بكر ما أمر به رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فأختار أبو بكر العودة إلى رسول الله إلى المدينة، وهناك استفسر: هل نزل فيه قرآن يذمّه، أو يمنعه، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): لا ، إنّما جاء أمر أنّه لا يبلغ عن الله إلا أنا أو رجل منِّي، والذي منّي – أي من الرّسول (صلّى الله عليه وآله) - هو عليّ بن أبي طالب (صلوات الله وسلامه عليه).
وللأسف هناك في الأمّة الإسلاميّة مَن يكتم الحقائق، أو يحاول أنْ يشوِّه السيرة، فلا يبيّن هذه الحقيقة كاملة، يبيّن جزءًا منها، أو ينكرها.
البعض توسّل بأنْ هناك بعض الأسانيد التي روي بها هذا الحديث فيها خدش، وفيها ضعف، فأنكر الحديث من أساسه بينما طرق الحديث متعدّدة وكثيرة ومختلفة في عدّة أسانيد ومساند لعلماء العامّة إذا كان فيهما سندان فيها ما ضعف والبقيّة أسنادها قويّة، فالحادثة واقعة وصحيحة بدون شكّ أو ريب.
في هذا اليوم يوم عرفة يوم الحجّ الأكبر قد بلّغ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (صلوات الله وسلامه عليه) البراءة من الله تعالى حيث بلّغ الآيات الأولى من سورة براءة قال الله (عزّ وجلّ): ﴿بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ * وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ إلى آخر الآيات المباركة من سورة براءة، وكان فيما بلّغه أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا اليوم أربعة أمور أساسيّة:

أوّلها: إنّه أُلغي العهد مع المشركين
كان بين رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والمشركين عهد ألغاه الله (عزّ وجلّ) في هذا اليوم.
ثانيها: لا يحقّ للمشركين الحجّ في المواسم المقبلة
أيضًا كان ممّا أُعلن في هذا اليوم أنّه لا يحقّ للمشركين أنْ يحجّوا في المواسم المقبلة، حتى هذا الموسم كان الحجّ لجميع الناس المسلمين والمشركين، ومن هذا اليوم أعلن أنّ الأعوام القادمة لا يجوز، ويُمنع المشركون من دخول الحرم.
ثالثها: منع العراة من الطواف
ممّا أعلن في هذا اليوم أنّه لا يسمح للعراة بالطّواف، ففي الجاهليّة كان العراة يطوفون بالبيت عادة موجودة نساءً ورجالاً حيث يطوفون بالبيت عُراة، ومنذ هذا اليوم مُنع الطّواف بالبيت للعراة.
رابعها: المنع من الحجّ ودخول البيت الحرام
كما وأعلن في هذا اليوم منع المشركين من دخول البيت الحرام، وأنْ يحجّوا، ومنع من دخولهم البيت الحرام.
فسابقًا قد يأتي المشرك ويدخل البيت الحرام في غير الحجّ، أما في هذا اليوم فقد مُنع حتى في غير الحج.

• هل يصحّ إلغاء المعاهدة من طرف واحد؟
وهناك إثارات تُطرح في هذه الآيات المباركة، لا يتّسع المقام لذكرها، وسنتطرّق إلى إثارة واحدة قد تكون شبهة تجول في أذهان البعض حيث يقول: هل يصحّ إلغاء المعاهدة من طرف واحد.
إنّ المعاهدة هي اتّفاق بين طرفين، فهل يصحّ لأحد الطّرفين أنْ يلغي المعاهدة؟
إذا كان ذلك يصح انتهت المسألة، وإذا كان لا يصح، فهذا ظلم!، ويقولون: إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ظالم – والعياذ بالله تعالى -، وسنأتي؛ لنبّين بعض الأمور في هذه المسألة:
أوّلا: إلغاء العهد للحماية من غدر المشركين
بالنسبة لخصوص حادثة البراءة هذه، وإلغاء المعاهدة، فهناك قرائن ودلائل كانت عند رسول الله (صلّى الله وعليه وآله وسلّم) أنّه هناك مجموعة من المشركين ينوون نقض عهدهم، ويعزمون على ذلك، وليس هذه أوّل مرّة، فقد نقضوا صلح الحديبية سابقًا، فهم يصالحون ما دامت لديهم فائدة من هذا العهد والصّلح وبمجرّد أنْ يعيشوا القوّة، ويجدون أنّهم متمكِّنون من إيذاء المسلمين ينقضون العهد!
كانت هناك قرائن تدلّ على ذلك، فاستبق الرّسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - وبأمر من الله تعالى - الموقفَ فأعلن هو إلغاء للمعاهدة.
ويستفاد هذا من بعض الآيات القرآنية التي جاءت في هذه السورة من الآية الثّامنة في سورة براءة قوله تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾، وفي الآية العاشرة – أيضًا -: ﴿لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ هؤلاء واضح جدًّا أنّهم لا يراعون القرابة مع المسلمين، ولا الذّمّة والعهود مع المسلمين، يريدون بمجرد أنْ يجدوا فرصة أنْ يقتنصوها، ويعتدوا على الأمّة الإسلاميّة، لذلك كان هناك سبق من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهذا أمر معروف في المعهادات بين الدول ما إنْ تعلم، أو يعلم أحد طرفي المعاهدة بأنّ الطّرف الآخر يريد أنْ يعتدي عليه حتى يبادر بحماية نفسه، وتحصين دولته، فهذا شيء معروف.

• كيفيّة إلغاء العهد من النّبي (صلّى الله عليه وآله)؟
كيف ألغى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبأمر من الله تعالى هذه المعاهدة بينه وبين المشركين؟
لقد تمّ بخطوات معيّنة:
أوّلاً: إلغاء المعاهدة مع المشركين فحسب
هو لم يلغِ المعاهدة مع جميع الكفّار، أو مع جميع غير المسلمين، فلقد ألغى المعاهدة مع المشركين، أمّا أهل الكتاب فلم يلغِ عهده معهم، فقط قد تمّ مع المشركين لماذا؟، لأنّ المشركين يعيشون خرافة، ويعيشون إلغاء العهد بأقصى درجاته، يعبدون الأحجار والأخشاب، يعبدون أصنامًا وأوثانًا لا تُغني، ولا تنفع.
العقل لا يقبل هذا أنْ يكون الإنسان العاقل المفكِّر خاضعًا لحجر، وخاضعًا لشجرة، هذا أمر خطيرعلى البشريّة جدًّا، وإلغاء لما كرّم الله تعالى به الإنسان وهو هذا العقل، هذه الطّاقة العظيمة جدًّا، فأهل الذّمّة أهل الكتاب كانوا يعبدون الله سبحانه وتعالى.
نعم عندهم انحرافات، وعندهم أخطاء ولكن بالنتيجة يعبدون الله تعالى، يعبدون إلهًا قادرًا متعاليًا، بينما هؤلاء المشركون يعبدون الأصنام، وهذا خطر كبير على البشريّة، لذلك إلغاء العهد مع هؤلاء؛ لكي يرجعهم إلى عقلهم، وإلى رشدهم، ويضغط عليهم؛ ليفكّروا، ويتأمّلوا، ويتدبّروا، وينظروا هل في عبادتهم للأصنام من خير؟، فإذا فكّروا، وتدبّروا، وتأمّلوا وجدوا أنّ هذه الأحجار، وهذه الأوثان لا تغني من الحقّ شيئًا، فيعودون إلى عقولهم، ويؤمنون بعبادة الله (عزّ وجلّ).
ثانيًا: إلغاء المعاهدة لم يكن فجائيًّا
إنّ إلغاء المعاهدة لم يكن فجائيًّا بحيث إنّ المشركين كانوا يجلسون في بيوتهم مطمئنين مرتاحين فجاءتهم جيوش الإسلام؛ لتقتلهم، وتفنيهم عن بَكرة أبيهم، وتغدر بهم، أبدًا، فلقد جاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأعطاهم فسحة من الوقت أربعة أشهر قال: ﴿فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾، عندكم أربعة أشهر ترتِّبون صفوفكم إمّا أنْ تؤمنوا وترجعوا إلى الحقّ وتدخلوا في دين الله تعالى.
فإمّا أنْ تقرّوا، وإمّا أنْ ترتّبوا صفوفكم، وتستعدوا للحرب، والقتال؟
مَن في هذا العالم يلغي معاهدة، ويعطي العدو فسحة من الوقت والزّمان؟!
معاهدة فيها جنبة عسكريّة وليس معاهدة تجارة، معاهدة عسكريّة فيها حرب وقتال يعطى العدو أربعة أشهر؛ لكي يعدّ صفوفه، ويرتّب جيوشه، ويستعدّ للقتال، هذا هو ما فعله رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
طبعًا هذه الأربعة أشهر كانت للذين بينه وبينهم معاهدة غير محدّدة، أمّا مَن كان بينه وبين رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) معاهدة محدّدة بفترة معيّنة أقل من أربعة أشهر، أو أكثر من أربعة أشهر كان الرّسول (صلّى الله عليه وآله) ملتزمًا بتلك المعاهدة.
بعض المشركين الذين كانوا يعبدون الأوثان كانت معاهدتهم إلى تسعة أشهر، فبقي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على تلك المعاهدة ما داموا ملتزمين بها وببنودها هو التزم بها إلى نهاية المدّة.
ثالثًا: المشركون على علم بإلغاء المعاهدة
كان إعلان إلغاء المعاهدة في مكان بحيث لا يمكن أنْ يدّعي أيّ طرف - ولو كان صغيرًا من أطراف المعاهدة - أنّه لم يعلم بها.
المشركون كانوا على علم بإلغاء المعاهدة، لأنّ الإعلان كان في يوم الحجّ حيث جميع العرب مجتمعون هناك، فقد أعلنها صريحة واضحة وعلم بها الجميع، ثم كلّ من رجع إلى بلده كان يخبر الآخرين، وعادة النّاس هكذا أنّ الحاجّ عندما يذهب وفي طريق عودته يسأل دائمًا ما أخبار الحجّ؟، وما هي الأمور المهمة التي حدثت في الحج؟، فكان الحجّاج في ذلك العام عندما رجعوا ليس فقط إلى بلدانهم، بل على طول الطّريق الذي يمرّون به ما إنْ يلتقوا بأحد إمّا هم يبادرون بالإخبار وإمّا ذاك يسأل فيخبرونه بهذا الخبر المهم جدًّا.
من هذه الأمور وغيرها نعرف بأنّ إلغاء المعاهدة كان في مكانه وموقعه، وكان له ثمار إيجابيّة كثيرة حيث إنّ كثيرًا من المشركين راجعوا أنفسهم وتأمّلوا، وعرفوا بأنّه لو كان في هذه الأصنام خير لساعدتهم ولحمتهم، ولكنّها أحجار لا تُغني ولا تنفع.

• استشهاد مسلم بن عقيل
ومن المناسبات – أيضًا - في هذا اليوم التّاسع من ذي الحجّة الحرام هو استشهاد الفقيه العظيم مسلم بن عقيل (سلام الله عليه)، هو وصاحبه هاني بن عروة حيث قتلهم عُبيد الله بن زياد (عليه لعنة الله)، وفي مثل هذا اليوم المبارك كانا أول الشّهداء في قافلة الحسين (صلوات الله وسلامه عليه)، هذان العظيمان استشهدا في مثل هذا اليوم، وقَدّما روحيهما في سبيل الله (عزّ وجلّ).
• منزلة مسلم بن عقيل
وهنا أنا أقرأ رواية رواها الشيخ الصدوق (عليه الرّحمة) في أماليه عن عليّ بن أبي طالب (صلوات الله وسلامه عليه) قال لرسول الله: “يا رسول الله، إنّك لتحبّ عقيلاً قال - أي الرّسول (صلّى الله عليه وآله) -: أي والله، إنّي لأحبّه حبّين حبًّا لأبي طالب له، وإنّ ولده مقتول في محبّة وَلَدك، فتدمع عيون المؤمنين، وتصلّي عليه الملائكة المقرّبون، ثم بكى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتى جرت دموعه على صدره، ثم قال: إلى الله أشكو ما تلقى عترتي من بعدي”.
إنّ هذه الرواية التي رويت عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيها كثير من الاستفادات، منها:
1- إنّ لهذا الرّجل (مسلم بن عقيل) مكانة عظيمة عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بحيث إنّه لحبّه إيّاه أحبّ أباه.
2- إنّ هذا الرّجل تصلِّي عليه الملائكة، فهو مستحقّ لصلاة المؤمنين عليه (صلّى الله عليه)، وعلى الثّلة المؤمنة مع الحسين (عليه السلام).
3- إنّ هذا الرّجل المؤمن قُتل على الحقّ، فقاتله ظالم غاشم، ولا يمكن أنْ يكون في دائرة رضا الله سبحانه وتعالى.
4- إنّ حبّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لعقيل كان لسببين:
السّبب الأول: هو حبّ أبي طالب له، فإذا كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يحبّ عقيلاً، لأنّ أبا طالب يحبّه إذًا هو يحبّ أبا طالب، وإذا كان يحبّ أبا طالب، فهل يحبّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مشركًا؟!، فأبو طالب (سلام الله عليه) مؤمن، والأدلة على ذلك كثيرة، منها هذه الرّواية التي فيها أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يحبّه، إضافة إلى أدلّة أخرى ليس المقام مقام تفصيلها.
السبب الثاني: لأنّ مسلم (عليه السلام) مقتول في محبّة الحسين (عليه السلام)
سلام الله على مسلم، وهاني، ونسأل الله سبحانه أنْ يجعلنا لهما من المحبِّين، وأنْ يحشرنا معهما ومع الحسين وجدّه وأبيه وأمّه وأخيه.

• نقاط الشّأن المحلِّي
* الشّأن التّعليميّ وفيه نقطتان:
النّقطة الأولى: البحرانيّون في مدينة قطر التّعليميّة
هناك خبر بأنّ أكثر المسجِّلين من الطلاب في مدينة قطر التّعليميّة - مدينة جامعية تعليميّة في دولة قطر الشّقيقة - بعد القطريين هم البحرانيّون!
نسبة عالية من المسجلين الذين هم من 89 دولة، أعلى نسبة هي نسبة طلاب البحرين، وهذا الخبر يعطي أنّ شباب البحرين وفتيات البحرين هم من الحريصين على طلب العلم، وعلى الحصول على العلوم المفيدة لمجتمعهم، هذا الحرص من الطلاب، ومن العوائل، وأولياء الأمور من الضروريّ جدًّا أنْ يكون في قباله حرص أكبر من قبل الحكومة، ومن قبل وزارة التّربية والتّعليم.
هنا نداء إلى وزارة التّربية والتّعليم بأنْ تحثّ الخطى، وإلى الحكومة أنْ تجعل للتّعليم دورًا مهمًّا؛ من أجل بناء العنصر البشريّ في هذا البلد، ولا يكفي من الحكومة أنْ تهتمّ ببناء المباني والتّطوير العمرانيّ والبشر هم في حاجة إلى بناء، وإلى توفير الأمور الأساسيّة التي يحتاجونها.
التّعليم أمر مهم جدًّا، ووزارة التّربية والتّعليم مطالبة بتطوير عمليّة التّعليم ككلّ، في البلد، في مختلف المراحل، ومختلف المفاصل.
إذا كان هناك ثلّة قليلة نسبيًّا من طلاب البحرين يرفضون التّعليم بشكل جزئيّ، أو يتململون من التّعليم، ويحاولون الفرار من التّعليم، فذلك بسبب خلل في منهجيّة التّعليم الحكوميّ، وإلا بطبيعة شعب هذه الأرض أنّه محبّ للتّعليم، ولطلب العلم، والتّاريخ يشهد على ذلك، والقطاعات التّعليميّة تشهد على ذلك.
فمن المهم جدًّا للحكومة أنْ تراجع حساباتها، فالتّعليم والتّربية لهما دور كبير في حفظ أمن هذا البلد، وفي استقرار وضع هذا البلد، وفي تطور هذا البلد اقتصاديًّا، وعلى مختلف الجوانب.

النقطة الثّانية: رياض الأطفال في البلد
قد تمّ صرف مبالغ بأثر رجعيّ لمعلِّمات رِياض الأطفال، ولا أركّز على هذا الخبر، ولكن سأتكلّم على وضع رياض الأطفال في البلد.
الآن مرحلة رياض الأطفال مرحلة أساسيّة في العمليّة التّعليميّة، والقائمون على هذا القطاع يشكون الكثير من النّواقص، والكثير من المشاكل، فمن المهم جدًّا أنْ تتحرّك وزارة التّربية والتّعليم، وتتحرّك الحكومة من أجل الارتقاء بوضع هذا القطاع، وأنْ يكون هناك دعم حكوميّ مادِّيّ ومعنويّ لهذا القطاع باعتباره القطاع الأول الذي يؤسّس العمليّة التّعليميّة لدى الأجيال.

النقطة الثّالثة: حملة الاعتقالات
من جهة أخرى تتوارد الأنباء وتتكاثر في الأيّام الماضية عن اعتقالات في مناطق مختلفة، البلد في كلّ يوم نسمع بأنّ هنا اعتقال، وهناك اعتقال، ونحن حتى الآن لم نخرج من الأزمة الأمنيّة السابقة، فإنْ كانت تسعى الأجهزة الأمنيّة إلى توتير الوضع بشكل جديد، وبشكل شديد فهذا أمر مرفوض، ونحن بدورنا نسأل: هذه الاعتقالات هل هي على أسس علميّة، وعلى أسس قانونيّة، فإذا كانت هذه الاعتقالات ليست على أسس قانونيّة - وكما عهدنا على مرّ العقدين السابقين بأنّ الأجهزة الأمنية تتصرّف بما يحلو لها، وتخالف القانون كثيرًا، ولا يمكن محاسبتها، وما زلنا نصرخ للأخذ بحقوق ضحايا التّعذيب في فترة التّسعينات، ومحاسبة المعذِّبين الذين هم جزء لا يتجزَّأ من الأجهزة الأمنيّة، وهذا الملف حتى الآن لم يعالج! وتأتي الأجهزة الأمنيّة، وتستمرّ في هذا النّهج السّابق -، فهذا ليس في مصلحة البلد أبدًا.
المشاكل السياسيّة، والاختلافات السياسيّة في البلد لا يكون حلّها بهذه الطّريقة، وبالتّوتير الأمنيّ، فمن أجل صالح هذا البلد، وحاضر هذا البلد، ومستقبل هذا البلد، فلتراجع الأجهزة الأمنيّة حركتها، وليقف أصحاب القرار في وجه هذه الأجهزة، وأنْ تُمنع هذه الأجهزة من التّصرّف خلافًا للقانون.
القانون كما يطبق على الضّعيف والفقير، فلا بدّ من أنْ يطبّق على المسؤول والمتنفِّذ.

• عيد الأضحى
ختامًا: بعض المسلمين في هذا اليوم وحسب الدّليل الشرعيّ الاجتهاديّ الذي يتّبعونه يعيشون يوم عيد الأضحى المبارك، وهناك اختلاف فقهيّ تعيشه الأمّة الإسلاميّة، واجتهادات متعدّدة وفق بعض الاجتهادات يكون أول ذي الحجّة هو يوم الأربعاء، ووفق البعض الآخر يكون أول ذي الحجّة هو يوم الخميس، وبالتالي عيد الأضحى يتردّد بين يوم الجمعة ويوم غد السبت، ونحن وما نريده أنْ يعيشه المجتمع هو أنْ نبارك لِمَن كان بحسب تقليده، وبحسب المذهب الذي يتّبعه اليوم هو يوم عيد الأضحى نبارك له، ونتمى له أيّامًا سعيدة ومباركة وهانئة وكل خير، كما نتمى لِمَن يكون يوم السبت عيدًا له كذلك، وليست هذه الاختلافات مدعاة للفرقة، أو التّشرذم إذا كان التّفهم والمحبّة سيدا الموقف.
إنّ مثل هذه الاختلافات هي مصدر للتّواصل والتّراحم والتّواد أكثر وأكثر، أما إذا غاب التّفهم، وجاء سوء الظنّ مكانه، وجاء الاستنقاص والانتقاص والصّفات الذّميمة مكانه، فلا شكّ ولا ريب أنّ هذا الاختلاف سيكون مدعاة للفرقة والتّشرذم، فالأمر راجع لنا كيف نتعامل مع هذه الاختلافات.
نبارك لجميع الأمّة الإسلاميّة هذه الذِّكرى المباركة ذكرى عيد الأضحى المبارك.
نسأل الله سبحانه وتعالى أنْ يوفّقنا جميعًا لمراضيه، وأنْ يجنّبنا معاصيه، وأنْ يجعل هذا البلد آمنًا، وأنْ يفكّ قيد الأسرى، وأنْ يعجِّل فَرَج سيِّدنا ومولانا الحجّة بن الحسن (صلوات الله وسلامه عليه).
والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمد وآله الطّيِّبين الطّاهرين.

 

 

 

كتبت يوم Monday, 1 February, 2010 الساعة 9:24 am تحت التصنيف : حديث الجمعة. بامكانك متابعة التعليقات على هذه التدوينة عبر RSS 2.0 . بإمكانك إضافة تعليق, أو trackback.

 

 

 

 



أضف تعليق

يجب أن تسجل الدخول كي تتمكن من إضافة تعليق.