28

February

امتحانات نهاية الفصل الدراسي

نتمنى من أعزائنا الطلبة الجد والاجتهاد، اذا كان هناك تقصير خلال الفصل الدراسي ليتدارك خلال هذه الأيام، العمر أمامكم، الرياضة واللعب والتلفاز ينتظركم، ولكن هذه الأوراق التي تجيبون فيها على الأسئلة تحدد لكم درجات، هذه الدرجات تحدد مكانكم في المستقبل وما ستحصلون عليه في المستقبل. الذي يستطيع ان يضمن في شهادته 95% فيقول أنا لا اذاكر اكثر، نقول له اذا كان عندك وقت وطاقة لتجعل من درجتك 98% فأنت مقصر وأنت تظلم نفسك، فما بال بعض الطلبة الذي قد تكون درجاته متدنية, لابد لكل طالب ان يجد ويجتهد، واولياء الأمور مسؤولون ، الكد على العيال مهم جدا ولكن مستقبل ابناؤكم أكثر أهمية لابد من تشجيعهم والمذاكرة معهم إن أمكن، البعض من الطلبة لا يقدر اهمية هذه الأيام ولكنه سيرى أثرها في مستقبل العمر، وفي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام ” ليس من شيعتنا من كان في بلد وكان هناك من هو افضل منه”، الإمام يريد من كل منتمٍ لمدرسة أهل البيت أن يكون هو الأفضل وأن يسعى لأن يكون هو الأفضل وفي كل الجوانب وليس جانبا دون آخر.
وبعد انتهاء الامتحانات من الجيد الترويح عن النفس، ولكن من اللازم لمن انشغل في الفصل الدراسي عن تعلم احكام الدين ان يتعلمها.

* من حديث الجمعة بتاريخ 4/1/2008م الموافق 24 ذي الحجة 1428 هـ

 

 

 

 



28

February

آيات من سورة الدهر

الآيات من سورة الدهر التي نزلت بعد تصدق اهل البيت صلوات الله عليهم بعد صيامهم لثلاثة أيام.
والقصة معروفة أن الحسن والحسين مرضا واشتد بهما المرض، فزار رسول الله صلى الله عليه وآله والصحابة عليا يعودونهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي: هلا نذرت لله، فنذر علي ونذرت فاطمة ونذر الحسنان وفضة، أن الله سبحانه وتعالى إن شافى الحسنين يصومون ثلاثة أيام، منّ الله بالشفاء والعافية على الحسنين وعندها صام أهل البيت وفاء بالنذر، وكان علي يخرج للعمل وياتي بمقدار لافطارهم وتعد الزهراء صلوات الله عليها الافطار وتخبز الخبز فياتي مسكين يدق الباب ويقول مسكين فيدفع علي له قرصه وتتلوه الزهراء والحسنان وفضة ويفطرون في ذاك اليوم بالماء، ويصومون اليوم الثاني ايفاءا بالنذر وفي وقت الافطار يأتيهم يتيم ويعطونه ما عندهم ويفطرون اليوم الثاني بالماء، واليوم الثالث كذلك يصومون وفي وقت الإفطار ياتيهم أسير لا معيل له فيعطونه افطارهم ويفطرون لليوم الثالث بالماء ولا شيء عندهم، فيسجل الله هذه الحادثة ويقول (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً* وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً* فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَومِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً* وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيراً ).
الآيات بيّنت معاني سامية جدا والوقت لا يتسع لها ونشير إشارات خاطفة، هم لا يريدون من الناس جزاءا ولا شكورا، لايريدون مدح الناس، ولا يهتمون بأن يمدحهم الناس، فالمراد هو الله سبحانه وتعالى، أيضا هم يخافون من الله سبحانه وتعالى ولا يخشون غيره، والله سبحانه وتعالى عندما خافوه وأرادوه جزاهم الجنة والحرير.

وللأسف هناك من أراد أن يزوي هذه الفضيلة عن اهل البيت وقال أن هذه السورة مكية وقد أجمع المفسرون على ذلك، وفي مكة لم يتزوج علي بفاطمة ولم يولد الحسنان، فكيف تقولون أن هذه الآيات نزلت في أهل البيت في علي وفاطمة والحسنين؟
أولا: بعض المفسرون ذكر أنها مدنية وإن كان الأغلب ذكر أنها مكية.
وثانيا: هذه الآيات بالذات آيات مدنية، والقرآن فيه سور مكية فيها آيات مدنية أو بالعكس، ما الدليل على أن هذه الآيات مدنية؟
” َيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ” متى كان للمسلمين أسير في مكة وقد كانوا المستضعفين الذين لا قوة لهم ولا مكانة ولا قدرة واستطالة، هم كانت لهم القوة والقدرة والدولة في المدينة المنورة على ساكنها وآله أفضل الصلاة والسلام، إذن الآية نفسها تشير إلى أنها مدنية، والمنصفون قبلوا بذلك.
هذه الفترة نجد فيها كما كبيرا من المناسبات المتعلقة بعقيدة الولاية التي لا بد أن نلتفت لها وأن نتأمل فيها وأن نعمل بها، عقيدة الولاية ليست عقيدة نظرية فقط، وإنما هي عقيدة لا بد ان تتحرك في الواقع العملي، وإلا فهي جوفاء خالية من كل ما يراد منها وما يراد لها في المجتمع الإسلامي.
مهم جدا أن نعرف الولي، علي عليه السلام لا بد أن نعرفه، ولا بد أن نعرف علي العصر لأن في كل عصر علي، في كل عصر ولي وله صفات ومؤهلات.

* من حديث الجمعة بتاريخ 4/1/2008م الموافق 24 ذي الحجة 1428 هـ

 

 

 

 



28

February

آية الولاية

بسم الله الرحمن الرحيم ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ).
هذه الآية أيضا من الآيات التي يستدل بها على إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، إذ أنها قالت ” إنما” – حصر – ” وليكم” من؟ حصرت الاية الولاية، لم تعط الآية الولاية لغير المذكورين، ومن هم؟
1. بالأصالة والاستحقاق الله سبحانه وتعالى ” إنما وليكم الله”
2. ثم بالتبع وبولاية من الله سبحانه وتعالى ” ورسوله” إذن هناك ولاية لرسول الله (ص)
3. أيضا بالتبع ” والذين آمنوا” لكن ليس كل المؤمنين لهم هذه الولاية، فالآية حصرتهم ووضعت لهم صفات، ما هي هذه الصفات؟ قالت :” الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون”، وقع البحث هنا بأنه إقامة الصلاة أولا، إيتاء الزكاة ثانيا، وهم راكعون ثالثا، يعني صفات ثلاث للمؤمنين الذين لهم الولاية وهذا ما قاله البعض بناء على أن الواو في ” وهم راكعون” واو عطف.

ولكن إذا رجع المسلمون إلى سبب نزول الآية وقد ذكره السيوطي في تفسيره، الطبراني في تفسيره الأوسط، ابن كثير في تفسيره، الزمخشري، تفسير المنار، والفخر الرازي في التفسير الكبير ، وغيرهم كثير.
كلهم ذكروا أن سبب نزول هذه الآية أن فقيرا جاء المسجد يسأل من الناس، ولم يلتفت إليه أحد، بينما كان أمير المؤمنين يصلي وفي حال الركوع رفع يده وفيها خاتم وأشار للفقير بأخذه، فهم الفقير وأخذ الخاتم ورجع فرحا بعد أن كان يسأل مدة ولم يعط شيئا، عندها رآه رسول الله صلى الله عليه وآله وسأله من أعطاك، قال اعطاني ذاك الذي يصلي هناك، فنزلت الآية الكريمة مشيرة إلى حادثة خارجية، أن الولي هو ذلك الشخص الذي يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة حال ركوعه ، إذن الواو واو حالية، وكل من يقول أن الواو واو عطف يرد عليه سبب النزول الذي ذكره كثير من المفسرين.

* من حديث الجمعة بتاريخ 4/1/2008م الموافق 24 ذي الحجة 1428 هـ

 

 

 

 



28

February

آية المباهلة

بسم الله الرحمن الرحيم (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)

هذه الآية المباركة التي تتكلم عن المباهلة ونشير إشارة لطيفة في معنى المباهلة، المباهلة من بهل وأغلب أصحاب المعاجم اللغوية والقواميس اللغوية يذهبون إلى أن المباهلة يعني الملاعنة، إلا أن الراغب الأصفهاني أشار في مفرداته إلى أن البهل بمعنى تخلية الشيء وتركه غير مراعى، يعني بدون رعاية، فعندما تحدث المباهلة والمراد منها أن أسأل الله أن يكِلُ الطرف الآخر إلى نفسه، أن يرفع هدايته وحفظه عنه، ومن هنا يتضح أن أعلى مراتب رفع الرحمة والحفظ هو الإخراج من الرحمة والحفظ فيتحد مع اللعن، ولكن له درجات أقل يبتعد فيها عن اللعن، على كل حال هذا في معنى المباهلة بشكل سريع.

نريد أن نتكلم عن الولاية في هذه الآية، هذه الآية من الآيات التي استدل بها أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام وأبناؤه المعصومون على أن له حق الولاية على الأمة وإمامة الأمة وقيادة الأمة في جميع الجوانب، بتقريب أن الآية تكلمت وذكرت أن دعوة الرسول كانت (أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ) ثم قال (أَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ) من هو نفس رسول الله؟ إن قيل أن رسول الله يدعو نفسه على الحقيقة فهذا لا يصح، اذن رسول الله دعا من هو في مقام نفسه، ومن هو الذي في مقام نفسه؟ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وذلك باجماع المفسرين، وذكرت هذه القضية في صحيح مسلم والترمذي والنسائي وغيرهم كثير، وعندما يأتي صحيح مسلم ليقول هذا فلا مجال لمن يعتقد بصحة صحيح مسلم وهم ابناء العامة أن ينكروا أن عليا هو نفس رسول الله، وإذا كان هو نفس رسول الله فكل ما لرسول الله له إلا ما استثني بالدليل، إذا كان رسول الله معصوما فعلي معصوم، وإذا كان رسول الله أولى بالمؤمنين من أنفسهم فعلي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، إذا كان رسول الله أفضل الخلق فعلي أيضا له هذه المرتبة فهو أفضل الخلق طبعا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، ما استثني بالدليل ما هو؟ النبوة وهو ما جاء في حديث المنزلة “أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي”.

علي عليه أفضل الصلاة والسلام هو مكان رسول الله وله مقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وليس فقط القيادة السياسية وإنما علي هو الولي على الأمة في كل الجوانب، وله مقام رسول الله صلى الله عليه وآله من خلال هذه الآية التي تقول ( أنفسنا) أي أنه نفس رسول الله صلى الله عليه وآله.

ونشير هنا أيضا بأن بعض الحاقدين لم يرض بذلك، ومع انه وجد أن الاجماع أن نفس النبي هو علي بن ابي طالب إلا أنه قال أنه لا فضيلة في ذلك، كيف لاتوجد فضيلة في ذلك؟ قال: لأنه في المباهلة كان العرب يباهلون بأقرب الناس إليهم والرسول جريا على عادة العرب جاء بأقرب الناس إليه. والرد على هذا الكلام بأن العباس بن عبد المطلب عم الرسول أقرب للرسول من علي بالقرابة النسبية ورسول الله صلى الله عليه وآله لم يات به للمباهلة، وأيضا قال هذا المدعي بأنه لا فضيلة له فقط والفضيلة مشتركة لفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، ونحن نقول أن فاطمة والحسن والحسين لا يدعون أنهم أفضل من علي بن أبي طالب. وغيرهم من ادعى ونصب نفسه مكان علي بن أبي طالب وهم يؤمنون بقيادة علي بن أبي طالب وإمامته للأمة.

بعض الكتب ادعت دعاوى ضعيفة غير موجودة في الصحاح، قالت بأنه لم يكن هؤلاء الأربعة فقط مع رسول الله وأن هناك غيرهم ولكن هي روايات آحاد ضعيفة لا يعتمد عليها.
نفس رسول الله هو علي، نساء رسول الله في الآية هي فاطمة، وأبناء رسول الله الحسن والحسين فقط.

من حديث الجمعة بتاريخ 4/1/2008م الموافق 24 ذي الحجة 1428 هـ

 

 

 

 



27

February

حديث الجمعة 12-2-2010م

أعوذ بالله من الشيطان الغوي الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وَالْحَمْدُ للهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا بِمُحَمَّد نَبِيِّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ دُونَ الاُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَالْقُـرُونِ السَّالِفَةِ بِقُدْرَتِهِ الَّتِي لاَ تَعْجِزُ عَنْ شَيْء وَ إنْ عَظُمَ، وَ لا يَفُوتُهَا شَيءٌ وَإنْ لَطُفَ، فَخَتَمَ بِنَا عَلَى جَمِيع مَنْ ذَرَأَ وَجَعَلَنَا شُهَدَاءَ عَلَى مَنْ جَحَدَ وَكَثَّرَنا بِمَنِّهِ عَلَى مَنْ قَلَّ. اللّهمَّ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّد أَمِينِكَ عَلَى وَحْيِكَ، وَنَجِيبِكَ مِنْ خَلْقِكَ، وَ صَفِيِّكَ مِنْ عِبَادِكَ، إمَامِ الرَّحْمَةِ وَقَائِدِ الْخَيْرِ وَ مِفْتَاحِ الْبَرَكَةِ وصل على وصيه وأخيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وعلى بضعته الطاهرة الصديقة الشهيدة الزهراء فاطمة وعلى سبطيه الإمامين الشهيدين الحسن والحسين وعلى الأئمة التسعة من ذرية الحسين علي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي والخلف الحجة المنتظر المهدي روحي وأرواح من في العالمين لتراب مقدمه الفدى.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

• تعزية برحيل الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم):
أما بعد فنقدم أحر التعازي إلى مقام مولاي وسيدي الحجة بن الحسن - روحي وأرواح العالمين لتراب مقدمة الفداء - ولعموم الأمة الإسلامية سيما المراجع العظام والفقهاء الأعلام بالذكرى المؤلمة العظيمة لرحيل منقذ البشرية سيدنا ومولانا الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

• فقد النبي أعظم المصائب:
والكلام في أجواء هذة الذكرى المؤلمة إذ لا توجد في تاريخ البشرية مصيبة أعظم من مصيبة فقد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، هي أعظم المصائب حيث انقطع فيها الوحي عن البشرية وتلتها مصائب توالت على أهل بيت النبوة الذين أوجب الله سبحانه وتعالى لهم الحق بالمحبة والمودة والرعاية والإنقياد والطاعة.

• حال البشرية عند بعثة النبي:
أخوتي: كانت بعثة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في زمان ومكان عمهما الجهل والجور والظلم والغي والعدوان، كانت شبه الجزيرة العربية تعيش أسوأ حالات الحضارة إذ لا حضارة بالمرّة، كانت النساء والبنات توأد أحياء، وفي هذا السلوك ما فيه من البعد عن الإنسانية وعن الرحمة وشدة الطبع والعتو والقسوة والجفاء أن تدفن طفلة صغيرة، كانت الناس بدون أخلاق ولذلك مظاهر كثيرة فقد كان الرجل عندما يرث أباه يرث زوجات أبيه، وكان قانون القبائل والعشائر هو قانون الظلم والعدوان والسرقة والنهب، كانت كل قبيلة تغزو أختها وتهاجم أختها فتسبي النساء وتقتل الأطفال، والعلم لا نصيب له عندهم ولا شرف ولا مكانة، كان العلاّمة عندهم هو الذي يعرف بعض الأساطير وينقل الخرافات، لم يكن للقراءة والكتابة حظّ، كانوا يأكلون الطعام القذر ويشربون الماء القذر، لو رجعنا ونظرنا ما نقل التاريخ لتلك الأمة من مساوئ.

• محمد يرتقي بالبشرية:
ثم ومن خلال ثلاثة وعشرون عاما - هذة الفترة التي لا تعد شيئا في عمر الأمم - تنقلب هذة الحضارة وهذة الأمة إلى أقوى أمم العالم وأكثرها حضارة يصبح للعلم الدرجة الراقية والدرجة الأولى، وتصبح الرحمة قيمة أساسيّة مهمة، ويحترم الناس بعضهم ويقدر صغيرهم كبيرهم، ويعطف كبيرهم على صغيرهم، قيم أخلاقية عظيمة جدًّا راقية جدًّا لم تصل لها البشرية في تلك الفترة، لم تكن القيم التي جاءت موجودة لا في الهند، ولا في السند، ولا في اليونان، ولا عند الرومان، ولا عند الفرس، ولا عند أهل مصر هذه البلدان المتحضرة، لم يكن لديهم من الحضارة ما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لقد استطاع محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يريق الكميات الكبيرة من الخمور والمسكرات بأمر واحد، وهذا ما لم تستطع أن تقوم به أي حضارة في وقت آخر فكرّم عقل الإنسان، إن الخمور والمسكرات تذهب أشرف ما لدى الإنسان؛ عقله، كرّم محمد صلى الله عليه وآله وسلم هذا العقل إذ لم تكن هناك حضارة تعطي للعقل هذة القيمة، المرأة - وليسمع من ينادي بحقوق المرأة - محمد صلى الله عليه وآله وسلم شرّف المرأة إذ في تلك الأزمنة كانت بعض الحضارات تدفن المرأة حية مع زوجها، وقد أشرنا أن الحضارة الجاهلية في الجزيرة العربية كانت تورث المرأة لابن زوجها، وبعض الحضارات كانت لا تعترف للمرأة بالإرث وهناك تفاصيل في التاريخ يندى لها الجبين بما يتعلق بحقوق المرأة، جاء محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليجعل المرأة والرجل سواء، لا فضل للجنس على آخر إلا بالتقوى، ولا يقدّم الرجال على النساء إلاّ في حدود معينة لكي يستقيم المجتمع، كما في مجال قيادة الأسرة وإدارة الأسرة، فقد جعل الأمر للرجل وليس له أن يتسلّط على المرأة ويقيد حريتها ويسلب حقوقها ويعتدي على أملاكها، هي إنسان مستقلّ لها اختيارها، ولها قرارها، ولو أردنا أن نفصل ما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الحضارة والأخلاق والقيم والمفاهيم العالية في قبال ما كان موجودًا في ذلك الزمان لا يسعنا هذا المقام ولا تسعنا المؤلفات الكثيرة، نحن نشير باختصار ومهمّ جدًّا.

• لابدّ من العودة لأخلاق محمد:
لنا كمسلمين أن نبحث وندرس القيم التي جاء بها محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأن نرجعها إن كانت قد غابت عن مجتمعتنا، وكثير منها غائب عن كثير من المناطق والمواقع في مجتمعاتنا وللأسف الشديد، لابدّ أن نرجع الهدي المحمدي والأخلاق المحمدية إلى مجتمعاتنا وإلى واقعنا في مختلف الجوانب وفي مختلف الجهات.

• محمد ارتقى بروح وبدن الإنسان:
محمد صلى الله عليه وآله وسلم عندما أنقذ البشرية وجاء لكي ينقذ البشرية ويتقدم بالبشرية لم يأت ليتقدم بالإنسانية في جهة دون جهة، الدين الإسلاميّ دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم، شريعة المصطفى جاءت لترتقي بالإنسان في كل أبعاده، جاءت لتهتم بروح الإنسان ومعنوياته وعلاقته بربه وخالقه وجاءت أيضا لتهتم ببدن الإنسان وحاجاته المادية، الإسلام كما يهتم ببناء الروح وبالرقي نحو الله سبحانه وتعالى والسعي إليه يهتم أيضا ببناء الأرض وعمارة الأرض ورقي المجتمع البشري في الجوانب المادية، لا تفضيل لجهة على أخرى. نعم الأهميّة الكبرى للروح ولابد أن يحافظ عليها ولكن لا يمكن أن يحافظ على الروح مع إهمال البدن، لا يمكن من ذلك لابد من رعاية الأمرين وهذا أمر مهم جدًّا لابد أن نتمثله في حياتنا وفي سلوكيتنا، لابد أن نراعي أرواحنا وحاجاتنا الروحية والمعنوية وأن نهتم بها كما لابد أن نراعي حاجتنا المادية وحاجة المجتمعات في الأمرين، المجتمع ككل يحتاج إلى حياة روحية معنوية وإلى مفاهيم أخلاقية تحفظه وترتقي به كما أنه يحتاج إلى مؤسسات ويحتاج إلى كيانات تبني، هذان الأمران مهمان جاء محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليرعى الأمرين من أجل الإنسانية وحث على الأمرين والروايات في هذا المجال كثيرة أيضا لا يتسع المقام لذكرها والتفصيل فيها.

• عوائق في طريق الرسالة المحمديّة:
نريد أيضا أن نشير إلى مسألة مهمّة جدًّا: أنّ محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم عندما جاء هاديًا ومرشدًا ومنذرًا للبشرية ليخرجها من ظلمات الجاهلية، لم يكن الطريق أمامه معبّدًا سهلا يسيرًا منبسطًا بل كانت بعثته ودعوته مواجهة بكثير من العوائق، المشركون لم يألوا جهدًا في مواجهة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومحاولة خنق دعوته وقتلها في مهدها، بالترهيب والترغيب، اجتهدوا اجتهادًا كبيرًا في ذلك وخاضوا حروبًا من أجل ذلك، والمشركون لم يكونوا فقط فئة ظاهرة بل كان منهم فئة ادّعت الإسلام وادّعت الإيمان بالإسلام وادّعت التصديق برسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فتغلغلت في المجتمع المؤمن المسلم، وانتشرت في مفاصله، هؤلاء الذين سموا بالمنافقين، أهل النفاق الذين يُظهرون الإيمان والإسلام ويُبطنون الشرك والعتو، وهذة الفئة لم تكن فئة بسيطة أو فئة محدودة، لم يكن المنافقون ثلاثة نفر أو أربعة أو خمسة فقط، بل كانوا جماعة، بعضهم كان نفاقه واضحًا يعرفه الجميع، وربّما يجوز لي أن أقول أنه لم يكن منافقا؛ لأنه واضح للجميع كفره ومحاربته للرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ذاك الذي يأتي جهارًا ويقول (( لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ)) ويدّعي أنّه له عزّة، هذا منافق؟ يقول أنا أكثر عزة من رسول الله هذا منافق؟ هذا ربما نقول أنّه كافر جهارًا، من المنافقين من هم أخطر من هذا الرجل، ومن المنافقين من لم يكونوا يظهرون هذه الحالة؛ من عداوة الرسول، كانوا يتكتّمون بها ويتخفون بها، هؤلاء عرفهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعرّفهم لبعض أصحابه لكن لم ينشر أسمائهم بشكل واضح، وربّما يكون قد نشرها، ولكن السّلطات التي خلفت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ساهمت في دفن علاماتهم والقضاء على ما انتشر من صفاتهم بشكل واضح كأفراد معينين.

• حرص المنافقين على تحريف الإسلام بعد رحيل الرسول:
على كل حال المنافقون كانوا يعملون بجد في الخفاء لهدم الدين الإسلاميّ، والانحراف بالدين الإسلاميّ عن الجادة، بعضهم صرّح بذلك بعد رحيل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فقال: “تلقفوها يا بني أمية فو الذي يحلف به أبو سفيان لا جنّة ولا نار” هذة المقولة سجّلها التاريخ في مجلس الخليفة الثالث، وحفظتها كتب التاريخ، ولا ندري كم من مقولة قد محيت من صحف التاريخ، وكم من مقولة لم تدوّن أصلًا، وبقيت في الدوائر الخاصة والمغلقة للمنافقين؛ الذين سعوا لحرف الإسلام عن مبادئه وحرف الإسلام عن أخلاقه وسعوا بجد لتعود للناس جاهليتهم.
الإسلام دين إنصاف وعدالة، فمن أسّس الطبقية في الإسلام؟ لم يؤسسها محمد صلى الله عليه وآله وسلم، محمد قال: لا فضل لعربيّ على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى، فجاء غيره ليقول العرب أفضل من العجم، وهذا ليس بقول محمد، وجاء غيره ليقول أن قريش أفضل من العرب وليس هذا بقول محمد، وجاء بعض ليقول أن المهاجرين خير من الأنصار وهذا ليس بقول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فمن أسّس الطبقية في الإسلام فقد حرف الإسلام عن حقيقته، مهمّ جدًّا أن نقرأ التاريخ بوعي وبتبصر وبتأمل وبتفكر وبتدبر؛ لكي نعرف ما هو الإسلام الحقيقيّ، وما هي أخلاق محمد، وما الذي أدخله غير محمد على دينه، هذا أمر مهم.

• لنحذر عند قراءة التاريخ:
وهؤلاء المنافقون يا أخوة كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يختفوا برحيله، التاريخ يريد أن يقول لنا هكذا عندما تقرأ التاريخ، وتقرأ بعض كتب التاريخ ترى حديثًا عن المنافقين في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، و بمجرّد أن ارتحل النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن هذه الدنيا يختفي الحديث عن المنافقين، وكأن جهة النفاق بمجرّد أن مات محمد صلى الله عليه وآله وسلم آمنت وهذا ليس بصحيح، المنافقون بقوا واستمروا وتبوأ بعضهم مواقع مهمة في الدولة الإسلامية، ذلك مهمّ جدًّا أن نحذر ونحن نقرأ التاريخ ونتأمل بجدّ في التاريخ الإسلامي؛ لنعرف من هم خُلّص الصحابة الذين آمنوا فعلًا وقولا ظاهرًا وباطنًا، ومن كان ممّن رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وآمن ظاهرًا ولم يؤمن قلبه، ولم يؤمن باطنه، لأننا عندما ندرس التاريخ الإسلاميّ يقول لنا البعض أن الصحابيّ هو الذي رأى رسول الله صلى عليه وآله وسلم، وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وآله المؤمن والمنافق والمشرك فالصحابة ليسوا كلهم مؤمنين حقا، بعضهم منافق ولابدّ أن نعرف من المنافق، ولابدّ أن نعرف من هو المخلص، فنوالي المخلص ونتبع المخلص ونقتدي بالمخلص، ونحذر ونتبرأ من المنافق الذي ظهرت منه هذة الصفة فهذا أمرا مهمّ جدًّا.

• عليّ هو الوليّ بعد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم:
في رحيل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لابدّ من التأكيد على تمسّكنا الشديد بولاية وليّه بالحق خليفته صدقًا وعدلا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه، هو خليفة رسول الله والأدلّة على ذلك كثيرة متعددة في الكتاب الشريف وفي السنة المطهرة، وبعض الأدلة في السنة المطهرة أجمع عليها المسلمون وتواترت بها الأحاديث، هذه أحاديث مهمة لابد أن نعرفها، آيات الولاية لابد أن نحفظها وأن نعرفها وأن نؤمن بها وأن نواجه كل من أراد أن يحرفنا عن هذه الولاية بهذة الآيات وبهذه الأحاديث، لابد أن تطمئن قلوبنا بولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأنه الخليفة الشرعيّ لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإن أُبعِد عن قيادة وعن إدارة أمور الأمة إلاّ أنّه خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إمامنا وقائدنا، ونحن نتشرف ونفتخر بولايته، ونتبارك بتراب قدميه وتاج رؤوسنا تراب النجف التي دفن فيها، علي إمامنا، قائدنا وسيدنا، وعلي عبد من عبيد محمد صلى الله عليه وآله وسلم، هذا ما علّمنا علي، علي علّمنا أنه عبد من عبيد محمد، وأنه مطيع لمحمد، وأنه يتشرف بطاعة محمد، وعلّمنا محمد صلى الله عليه وآله أنّ إمامنا وقائدنا بعده علي، وبعد علي الإئمة من ولده ومن صبله وذريته هداتنا قادتنا وأئمتنا بهم نتولى ومن أعدائهم نتبرأ، هذة مسألة مهمة نركّز عليها ونسلّط عليها الضوء في ذكرى رحيل الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم.

• الفقهاء العدول هم الولاة في هذا الزمن:
وفيما يتعلق بهذه المسألة - مسألة الولاية - نحتاج أن نؤكّد مرارًا وتكرارًا على أنّه في زمن الغيبة، غيبة سيدنا ومولانا الحجة بن الحسن الذي نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعجّل لفرجه وظهوره، وأن يملأ الأرض عدلا وقسطًا على يديه كما ملئت ظلمًا وجورًا، في هذا الزمن لنا قادة نصبهم الأئمّة هم الفقهاء العدول هم قادتنا، وهم سادتنا، وهم من يوجّهنا، وهم من يرشدنا، بأمرهم نأتمر وبنهيهم ننتهي، ونحرص على هاتين الصفتين الفقاهة والعدالة، هاتان الصفتان المهمّتان جدًّا في قادتنا الذين نلجأ إليهم، لابد أن نؤكّد هذا المبدأ وأن نرسّخه في نفوسنا؛ لأنّ الشرق والغرب قد تكالب لكي يبعدنا عن الفقهاء، ولكي يفصلنا عن المراجع العظام، نحن في هذا اليوم نؤكّد هذا الأمر، ونشدّد على هذا الأمر.

الشأن العام :
• رفض إسرائيل عقيدة:
مسألة العداوة لإسرائيل ورفض كل صور التطبيع، إخواني نعرف ويبين الإعلام الحالات الكثيرة للتطبيع مع هذا العدو، وللتواصل مع هذا العدو، إسرائيل كيان شيطانيّ مفسد في الأرض ولا يجوز ولا يصحّ التعامل معه، هذه عقيدة لابدّ أن ترسخ في قلوبنا النشء والأطفال، لابدّ أن يأخذوها من الكبار، الأجهزة الرسمية تسعى في الخفاء، ويظهر في العلن تواصلها مع هذا الكيان، نحن كمستضعفين ونحن كشعوب - يُحاول أن يُسلب منا القرار في كثير من المواقع - لابدّ أن نركّز أن لدينا قرارًا في مختلف القضايا قد لا نستطيع أن نطبّقه ولكنه موجود، في مسألة التعاون مع إسرائيل قرارنا وعقيدتنا رفض إسرائيل وعدم القبول بإسرائيل، وأنّ كل من يتعامل مع إسرائيل فهو خائن، وهو شخص يبتعد عن مفاهيم الإسلام، ولا يعرف الإسلام حق الإسلام، ومتنازل عن حقوق المسلمين، وهو شخص مساهم بشكل وبآخر بقتل الأطفال والرجال والنساء والكهول والعجائز في فلسطين وهو مساهم في قطع الكهرباء والطاقة عنهم وهو يساهم في هدم بيوتهم.
قد لا نساهم في أن نبي بيتًا، قد لا يمكن أن نوصل سلاحًا، وقد لا يمكن أن نفعل شيئًا ولكن نملك أن يكون لنا قلب رافض لإسرائيل، ورافض لكلّ شخص يتعامل مع إسرائيل، ويتعاون مع إسرائيل ولو بالمصافحة.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعًا لمراضيه، وأن يجنّبنا معاصيه، وأن يحفظ هذه الأمّة الإسلاميّة، وأن يفرّج عنها غمّها وهمّها بتعجيل الفرج للحجّة بن الحسن روحي وروح العالمين له الفداء والحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على محمد وآله الطّاهرين.

 

 

 

 



4

February

حديث الجمعة 22/1/2010م

أعوذ بالله من الشيطان الغويّ الرّجيم
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي يفعل ما يشاء ولا يفعل ما يشاء غيره، والحمد لله كما يحبّ الله أن يُحمد والحمد لله كما هو أهله.
والصّلاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين حبيب إله العالمين أبي القاسم محمد، وعلى أخيه ووصيّه بالحق أمير المؤمنين علي بن ابي طالب وعلى بضعته الصِّدّيقة الشّهيدة فاطمة الزهراء وعلى سبطيه الإمامين الحسنين وعلى التسعة المعصومين الهداة المنتجبين من ذرية الحسين علي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، والخلف الحجة المنتظر المهدي، روحي وأرواح من في العالمين لتراب مقدمه الفدى.
السّلام عليكم إخوتي وأخواتي ورحمة الله وبركاته

*لم يخلق الناس عبثا:
قال الله عزّ وجلّ بسم الله الرحمن الرحيم “أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ” {المؤمنون/115} يسأل الله سبحانه وتعالى سؤالًا استنكاريًّا للناس أجمعين، يسألهم يقول لهم أتظنون أنّكم خُلقتم عبثًا؟! هذا الكون الواسع الدقيق بقوانينه، وحركة أجرامه ومكوناته يسمح لكم بأن تظنّوا أنّكم خلقتم عبثًا؟! أي أنّ خَلقَكم بدون هدف وبدون غاية؟ لا تظنّوا هذا الظن وتيقّنوا أنّكم له عزّ وجلّ راجعون “أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ” {المؤمنون/115} هناك عودة وهناك رجوع نحو الله سبحانه وتعالى، هناك لقاء، سيلتقي الإنسان بربه، لذلك يقول سبحانه وتعالى ويبيّن للناس مسألة مهمة ترتبط بلقائه، أو بالاعتقاد بلقائه يقول “… فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا” {الكهف/110} هذا لمن يرجو لقاء ربه، يظنّ ويعلم أنه ملاق ربه سبحانه وتعالى، ثم إنّ هناك صنفًا آخر يقول عنهم الباري عزّ وجلّ “إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ {يونس/7} ، صنفان لا ثالث لهما؛ إمّا مؤمن بلقاء الله سبحانه وتعالى، فهذا لابدّ أن يعمل العمل الصّالح، وأن لا يشرك بعبادة ربّه أحدا على مختلف الأصعدة، وفي مختلف المجالات، لا يشرك عقائديًّا، ولا يشرك عمليًّا، هذا الإنسان سيصل إلى لقاء الله سبحانه وتعالى، وذاك الإنسان - أعاذنا الله وإيّاكم أن نكون على هذه الصفة - الذي لا يرجو لقاء ربّه ورضي بهذه الحياة الدنيا، واكتفى بها قدرًا ومنزلا وهدفًا وغاية، واطمأن بها فغفل عن آيات الله سبحانه وتعالى، وعلاماته الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى، غفل عنها؛ فإن مصيره جهنم بما كسب “أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ” {يونس/8}، نعوذ بالله عزّ وجلّ ونلجأ إليه، ونستجير به من هكذا مصير، ومن هكذا أعمال ومن هكذا سلوك.

*رواية في أجواء الذكرى:
في أجواء ذكرى استشهاد سيّدنا ومولانا أبي محمد الحسن بن علي “صلوات الله وسلامه عليه” نعزّي بقيّة الله الأعظم “أرواحنا لتراب مقدمة الفداء” ومراجع الأمّة العظام وفقهاءها الأعلام وعموم الأمة الإسلامية بهذا الحدث الجلل، ونسير لنستفيد من العطاءات الكثيرة الجليلة لهذا الإمام المظلوم، فنختار رواية نقلها الشيخ الصّدوق قدّس الله نفسه الزكيّة في أماليه:
روى رجل من أهل الشام: قدمت المدينة فرأيت رجلًا بهرني جمالُه فقلت: من هذا؟ قالوا: الحسن بن علي قال: فحسدت عليًّا أن يكون له أبن مثله. قال: فأتيته فقلت: أنت ابن أبي طالب؟ قال: إنّي ابنه. فقلت: بك وبأبيك وبك وبأبيك قال: وأرم لا يردّ إليّ شيئًا ثم قال: أراك غريبًا فلو استحملتنا حملناك ولو أسترفدتنا أرفدناك ولو أستعنت بنا أعنّاك قال: فانصرفتُ عنه وما في الأرض أحبّ إليّ منه”.
هذه الرواية التي ينقلها رجل من أهل الشام، وكون هذا الرجل من أهل الشام يعطي دلالات متعددة، يعطي أنّه عاش وتربّى في وسط اجتماعيّ؛ يملؤه الإعلام المسموم في حق علي بن أبي طالب “صلوات الله وسلامه عليه”، عاش وتربّى في مجتمع يكيل لعلي بن أبي طالب “صلوات الله وسلامه عليه” أشنع التهم وأسوأ الافتراءات؛ بحيث يتشبّع هذا المجتمع ببغض هذا الرجل، هناك مجتمعات إسلاميّة وبعد الرحيل المفجع للرسول الأعظم “صلى الله عليه وآله وسلم” سُلّط عليها إعلام منحرف ضالّ مضلّ ليشوّه الكثير من صفاء الإسلام ونقائه وطهارته وسموه وشرفه، وتأثر بهذا الإعلام الكثير الكثير من أبناء هذه المجتمعات، والإعلام المنحرف التابع للسّلطة المنحرفة والظالمة يؤثّر أثرًا كبيرًا جدًّا ويدخل بطرق مختلفة متنوعة متعددة إلى وجدان المجتمعات، وينفذ في أفكارها وثقافتها ومبادئها نفوذًا هادئًا وينتج الكثير من التشوهات لبنيتها، الإعلام والدعاية اللذان يقوم بهما الظلمة هذا شأنهما: الدخول بهدوء إلى الوجدان وإلى الثقافة، والتأثير بشكل كبير جدًّا، في هذه الرواية هذا الشاميّ نموذج للأشخاص الذين تأثّروا بهذا الإعلام، الإمام علي “عليه السلام” الذي قام بجهاده الإسلام يُسبُّ ويُشتَمُ بل يصبح من المسلّمات ومن الأمور الطبيعية بغضه، ويُنسى فضلُه وقرابتُه وجهادُه ونصحُه للإسلام والمسلمين، على كل حال نتيجة هذا الأمر، هذا الشاميّ يأتي بهذه الخلفيّة؛ خلفيّة البغض لعليّ “عليه السلام” فيرى شخصًا له من الهيبة والجلال والكمال ما يبهره فينقاد لجماله ولجلاله ولكماله، فيسأل عنه فيقال: هذا أبن أبي طالب، هذا الحسن بن علي “عليه السلام” ، آثار المجتمع والتربية تظهر فيحسد هذا الرجل فيقول: عليّ من أين له ابن بهذا الجمال والكمال، ولا يستطيع أن يكتم، وأن يقف، فنفسه تضطرّه إلى التحرّك العمليّ وِفق عقائده ومبادئه وثقافته، فيذهب إلى الإمام الحسن ابن بنت رسول الله ” صلى الله عليه وآله وسلم” فيشتمه ويشتم أباه، هذا النصّ الذي جاء في الرواية “قلت له بك وبأبيك و بك وبأبيك” أي أنت فيك هكذا وأبوك فيه هكذا، هذا المعنى يحدث عندما يسبّ شخصٌ غيره وبعد أن يلتفت لنفسه، لسبّه وشتيمته لأنها قبيحة فيقول: أنا شتمت، هذا التعبير يدلّ على شتم وذمّ وإساءة بالغة للإمام “عليه السلام”، ويُستكشف هذا من ردّة الفعل لهذا المغرَّر به بعد أن جاء تصرّف الإمام “عليه السلام”، فلو كان الكلام الذي قاله للإمام “عليه السلام” كلامًا بسيطا لما استغرب عفو الإمام “عليه السلام” عنه، ولكن أن يكون أثر عفو الإمام وكرم الإمام مؤدّيا إلى تحوّلٍ بـ 180 درجة هذا يدلّ أنّ فعل هذا الرجل كان شديدًا وقاسيًا، وكان لا يتوقّع منه أيَ رد فعل إيجابيّ أبدًا، ردّ فعل الإمام “عليه السلام” كان السكوت والاستماع لكلّ هذه الشتائم، مع عدم القبول بها وعدم التسليم بها، ولكن معرفة وتقديرًا لجهل هذا الرجل، ثم يقول له: إن استحملتنا حملناك، إذا كنت تحتاج إلى من يعينك في حمل ثقل عنك وحاجة لك، نحن نحملها لك ونساعدك، وإن استرفدتنا أرفدناك تريد منا حاجات وأموال أو عطاء نعطيك ونمدّك وإن طلبت المعونة أعنّاك، رغم هذا الأمر السيّء الذي قمت به إلاّ أننا لانردّ السيّئة بالسيّئة، نحن نردّ السيّئة بالحسنة، إساءتُك لنا ردّنا لها هو خير نقدمُه لك وخدمة نقدّمها لك.
هذا الموقف في حياة الإمام مهمّ جدًّا، هذا الموقف لا يعني التخاذل أو التهاون أو الجبن أو الإستكانة أمام العدو، فإنّ من يطالع حياة الإمام الحسن”عليه السلام” يراه يقف بصلابة أمام معاوية وأمام الرؤوس الأمويّة، وكلّ من يعرف الإمام”عليه السلام” ومكانة الإمام ويحاول الإنتقاص من الإمام فالإمام يقف أمامه ويسفّه به ويُريه قدره - والمقام ليس مقام إستقصاء الرّوايات في هذا الجانب - ولكن عندما يأتي الجاهل المُغرّر به - الذي لا يعرف حقيقة الأمور- يكون دور الإمام “عليه السلام” هو بيان الحقيقة وإظهارها وإيصالها لهذا الطرف المُغرّر به بأفضل الطرق والوسائل.
هذه خصلة مهمّة ومحبّو الإمام “عليه السلام” وشيعة الإمام إذا استطاعوا أن يتوفّروا على هذه الصفة الدقيقة في التعامل مع من يخالفهم، أن نعرف من المُغرّر به فنحسن التعامل معه، ونوصل إليه الأمور بجلاء، وأن نعرف الضّال والمضلّ فنقف أمام ضلاله وإضلاله بالتي هي أحسن، وبصرامة، فنردّ شبهه وإشكالاته وإفتراءاته، هذا أمر مهمّ جدًّا نرجو أن نستفيد منه عمليًّا في حياتنا ببركة الإمام الحسن “صلوات الله وسلامه عليه”.

*ولاية وحاكمية الفقيه على الأمة:
أخواني: من الأمور التي كثر التوقف عندها والإشارة إليها مسألة ولاية الفقيه وقيادة الفقيه وحاكميّة الفقيه على الأمّة، مسألة مهمّة جدًّا ومحوريّة ومورد أخذ وردّ دائم ومتواصل، والإشكالات في هذا الجانب كثيرة والأجوبة والردود أيضًا كثيرة، نحن لا نطيل في هذا المورد، ولكن نقول: لكلّ من يحاول تشويه صورة ولاية الفقيه، ولكلّ من يحاول أن يبعد الناس عن ولاية الفقيه، وعن قيادة الفقيه بعدة دعاوى وبعدة إشكالات نردّ عليهم بالتفصيل، وهذه الرّدود موجودة في كتبنا العلميّة، وقبل أن ندخل في صلب الكلام نقول لأحبتنا: عندما ترى إشكالًا موجّهًا على ولاية الفقيه اذهب إلى المصادر المعتمدة قبل أن تقتنع بهذا الإشكال، وقبل أن تكرّر هذا الإشكال وأن توزّع هذا الإشكال، هناك مصادر معتمدة، وهناك علماء معتمدون ارجع إليهم.
البعض يشير إلى أن ولاية الفقيه وحكومة الفقيه العادل لا تحقّق العدالة الاجتماعيّة، وأنّه يوجد ظلم في دولة الفقيه العادل، وكأنّه يريد أن يقول: أنّنا نقول أن ولاية الفقيه: هي ولاية العصمة، ونحن لا نقول ذلك، نحن لا نقول أن الفقيه معصوم، وأنّ كل الأفراد تحت رايته معصومون، فليأت أيُّ رجل وأيُّ إنسان ليأتي بكلمة واضحة مسندة مثبتة أنّ هناك ممن يؤمن بولاية الفقيه قال هذه الكلمة قال: إنّ الفقيه معصوم وأنّ كلّ الأجهزة تحت رايته معصومة، فهذا لا يوجد، ونقول أيضًا ولا نشك في ذلك: أنّ قيادة الفقيه العادل هي افضل القيادات، لماذا ؟ لأنّ الفقيه العادل يتوفّر على أمرين الأوّل: العلم والفقاهة والمعرفة بالأحكام الشرعيّة فيعرف حلال الله وحرامه، والأمر الثاني: أنّه يتوفر على العدالة وهي ملكة المحافظة على الواجبات وترك المحرمات، والسعي الجاد للحفاظ على شرعه سبحانه وتعالى في المجتمع، وهذا لا يوجد في أي قيادة في العالم غير قيادة الوليّ الفقيه؛ لأن القيادات الأخرى لو سلّمنا بأنّ فيها من هو عادل أي أنّه يطبّق الأحكام الشرعيّة فنحن لا نسلّم بفقاهته، القيادات في العالم كلِّه، قيادات إسلاميّة وغير إسلاميّة علمانيّة وغير علمانيّة، أحضروا لنا قائدًا صاحب معرفة وأيضًا صاحب ورع وتقوى وملتزم بالقوانين أعلى من الفقيه. كل يوم نجد أخبارًا عن الحكومات التي تتمتع بشيء من الحريّة - إعلامها عنده شيء من الحرية - تظهر لنا قضايا الفساد عند الحكّام والرؤساء،- وحكومات الذوات التي لا تمس ولا يمكن التصريح والانتقاد لها،- فالنّاس بدون الإعلام تعرف الكثير من السّلبيّات.
قيادة الوليّ الفقيه هي أفضل القيادات الموجودة، وأقرب القيادات لإمامة المعصوم لذلك نحن نفتخر كمؤمنين بالتزامنا بأوامر الولي الفقية وتشريعاته الإسلاميّة وانقيادنا للوليّ الفقيه، ونقول لكل من يعارض: احضر لنا قائدًا يراعي شرع الله سبحانه وتعالى معرفة وتطبيقًا، أمّا إن كانت قيادتك ومن تطبّل له هو السفيه، هو الجاهل، هو شارب الخمر، هو تارك الصلوات، هو المحلِّل لحرام الله، والمحرِّم لحلال الله فلا كلام لنا معك.

*نرفض تقييد المساجد بتقويم موحد:
نقطة اخرى طالعتنا بعض الصحف بقرار أو محاولة جديدة – والإصرار- على تطبيق قرار لوزارة العدل بإلزام المساجد بتقويم موحّد صادر عنها، تقويم أوقات الصّلوات الصّادر عن وزارة العدل القاضي بأنّ كل المساجد ملزمة بهذا التقويم، وهذه خطوة ضمن خطوات كثيرة للسّيطرة على المساجد، والتحكّم في المساجد، نعالج هذه المسألة بعدة جهات:
الجهة الأولى: إذا كان الغرض من هذا التقويم هو الاستفادة من أخصائيّين فلكيّين لديهم الخبرة والكفاءة لتحديد أوقات الصلوات- للاستعاضة عن تقاويم أهليّه أو تقاويم قد تشوبها بعض الشوائب عند الاستفادة من الأخصائيين-، نقول لا مانع من إصدار هذا التقويم وترك الالتزام به إلى حريّة نفس المؤمنين، نفس المسلمين ونفس المصلّين، المصلّون لا يصلّون طلبًا لحطامِ الدنيا، يصلّون طلبًا لمرضاة الله سبحانه وتعالى، فإذا كانوا يريدون مرضاة الله سبحانه وتعالى فهم ونتيجة قناعاتهم الشخصيّة سيختارون أفضل التقاويم؛ التي تبرئ ذمّتهم سواء كان تقويم وزارة العدل أم تقويمًا آخر، أمّا أن يفرض تقويم معيّن حتى وإن كان هذا التقويم الحالي صادرًا من أخصائيّين محايدين ينظرون بنظرة علميّة بحتة، فهذا مع التسليم به وانقياد المساجد له، وقبولها بتقويم موحّد تصدره وزارات الدولة لا يضمن لنا في المستقبل القريب أو البعيد أن لا يتدخّل قرار رسميّ لمصلحة جهات رسميّة في هذا التقويم، ووزارات الدولة وعمل الحكومة فيه الكثير من الشواهد الصّارخة على تدخل المتنفذين من أجل مصالحهم؛ بتعطيل القوانين وغيرها من الأمور، لذلك فليتركوا النّاس ودينهم، وشأنهم، يصلّون كما يشاءون، لا نمنعكم عن اصدار التقويم، وبيّنوا مميزات التقويم، وإيجابيّات التقويم، وضّحوها للناس، لكنّ الناس لها الخيار تقبل التقويم أولا تقبل التقويم. أمّا أن يفرض التقويم اليوم على المصلّين، وغدا يفرض إمام الجماعة على المصلّين، بعد غد يفرض ما الذي يظهره إمام الجماعة من الأحكام الشرعيّة وما الذي لا يظهره، وتستمر السّلسلة؛ لتحويل المساجد الحرّة الشّريفة؛ التي هي منابر رسول الله “صلى الله عليه وآله وسلم” إلى منابر للسّلطات- التي تنقاد للمصالح السياسيّة الآنيّة ومصالح المتنفّذين- وهذا خطر كبير، لذلك نعلن أنه لا يحقّ لوزارة العدل إجبار المساجد على تقويم موحّد وإلزامها بذلك.

*إشادة بالإحياء المتنوع لذكرى شهادة الإمام الحسن”ع”:
قبل الختام وفي أجواء شهادة الإمام الحسن “صلوات الله وسلامه عليه” نشيد بالإحياء لهذه المناسبة في المآتم والحسينيّات والمواكب ومختلف الشعائر الإسلاميّة الثابتة،- التي يحافظ عليها المؤمنون ويصرّون عليها- ونؤكّد أنّنا نصرّ عليها ونرى فيها دوام الإسلام، وحفظ الإسلام، ومفاهيم الإسلام، كما نبارك الفعاليات المصاحبة للذكرى، طالعت أخبارًا بأنّ هناك مؤتمرًا حول حياة الإمام الحسن “صلوات الله وسلامه عليه”، وهذا أمر جميل ومفيد، ويساهم على توسيع دائرة الإحياء لذكرى الإمام كما أن هناك حملة للتبرّع بالدمّ، هذه الحملة أيضًا نوع فعاليّة مصاحبة لإحياء الذكرى، وهي أمرٌ إيجابيّ، الفعاليات المصاحبة لإحياء الذكرى مشكورة الجهود التي قامت عليها، ونتمنى لها النجاح والتوسّع والتّطور، ومعها نؤكّد على إحياء الشعائر الثابتة عن الأئمّة “صلوات الهو وسلامه عليهم” بحضور المجالس الحسينيّة الخاصّة والمواكب، نسأل الله سبحانه وتعالى ان يبارك كلَّ هذه الجهود وأن يحفظها وأن يحفظ القائمين عليها.

*تعزية برحيل الخطيب الباقري:
ختامًا نعزّي مولانا صاحب العصر والزّمان “عجّل الله فرجه الشريف” ونعزّي عموم المؤمنين بوفاة سماحة الشيخ حسن الباقري “رحمة الله عليه” الذي وافاه الأجل قبل يومين ونبتهل لله سبحانه وتعالى أن يحشره مع الحسين بن علي “عليه السلام” وأنصار الحسين الذين أفنى عمره في خدمتهم، وأعطى الكثير من أجل خدمة المنبر الحسينيّ، رحم الله من قرأ لروحه، وأرواح العلماء والشّهداء والمؤمنين المؤمنات الفاتحة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعًا لمراضيه وأن يجنّبنا معاصيه وأن يعجّل فرج سيّدنا ومولانا صاحب العصر والزّمان، إنّه على كل شيء قدير، وصلى الله على محمد وآله الطّاهرين.

 

 

 

 



4

February

حديث الجمعة 8/1/2010م

أعوذ بالله من الشيطان الغوي الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد يا ذا الملك المتأبد بالخلود والسلطان الممتنع بغير جنود ولا أعوان، والعز الباقي على مر الدهور وخوالي الأعوام ومواضي الأزمان والأيام، عزّ سلطانك عزا لا حد له بأوليّة ولا منتهى له بآخريّة.
اللهم صل على محمد وآله محمد صلاة كثيرة تكون لهم رضا، ولحق محمد وآل محمد أداء وقضاء بحول منك وقوة يارب العالمين، اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الأبرار الأخيار الذين أوجبت حقوقهم وفرضت طاعتهم وولايتهم، اللهم صل على الرسول المصطفى محمد خير البشر وعلى أخيه المرتضى علي الكرار وعلى ابنته الصّديقة الشهيدة فاطمة الزهراء وعلى سبطيه الإمامين الشهيدين الحسن والحسين وعلى التسعة الأئمة المعصومين من ذرية الحسين علي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي والخلف الحجة القائم المنتظر المهدي روحي وأرواح من في العالمين لتراب مقدمه الفدى.
أوصيكم إخواني ونفسي الأمارة بالسوء بتقوى الله، والورع عن محارمه، واجتناب معاصيه، والتزام ما أمر به ووصيّة أهلنا، وإخواننا، ومن له حق علينا بهذه الوصايا القيمة.

المتحابّون في الله :
روي عن سيّدنا ومولانا علي بن الحسين السجاد ” صلوات الله وسلامه عليه” أنه قال: “إذا جمع الله الأوّلين والآخرين نادى مناد يسمعه الناس يقول: أين المتحابّون في الله؟ فيقوم عنق من الناس فيقال لهم: اذهبوا إلى الجنة بغير حساب، فتتلقّاهم الملائكةُ ويسألونهم عن العمل الذي جاوز بهم إلى الجنة، فيقولون: نحن المتحابّون في الله، فيقولون: وأي شيء كان أعمالكم فيقولون: كنا نحب في الله ونبغض في الله فيقولون لهم: نعم أجر العاملين”.
هذه الرواية الواردة عن سيدنا ومولانا علي بن الحسين صلوات الله وسلامه عليه تبين فضلاً لفئة خاصة من الناس، هذه الفئة في يوم القيامة ينادي المنادي: أين المتحابّون في الله؟ فيقومون فيدخلون الجنة، الذي أدخلهم الجنة هو حبهم في الله وبغضهم في الله. عندما أحبُّ لا بد أن أحبَّ في الله عز وجلّ لا في غيره. كل إنسان لابد أن يحبَّ ولا بد أن يبغضَ، هذه عاطفة موجودة عند كل شخص، وله أن يتحكم فيها، وله أن يضبطها، وإلاّ لما صحّ أن يعاقب الله سبحانه وتعالى عليها أو يجازيه، لو كان الحب أمرًا خارجًا عن طاقة الإنسان، وعن إرادة الإنسان، لما كان ذلك مستوجبا لدخول المحب لله الجنة، ودخول المحب لغيره النار- إذا أدى حبّه إلى المعصية وإلى الطغيان - لأنه أمر خارج عن الإرادة ولا يصح من الحكيم العاقل أن يعاقب بما هو خارج عن الإرادة، الأب لو أمر ابنه في البيت أن لا يتبلل بماء المطر أو بماء البحر ثم أخذه وأكتفه وجعله تحت الماء كما يقول البيت:
ألقاه في اليمّ مكتوفًا وقال له إيّاك إيّاك أن تبتلّ بالماء
هل يصح أن يعاقب الوليُّ أو الأبُ ابنَه؟ لو عاقبه يكون قد فعل فعلاً غير عقلائيّ ولا يصدر عن حكيم، الله سبحانه وتعالى هو الحكيم العادل الذي لا يظلم، فلا يكون عقابه لمن يحب في غير الله - إذا أدّى حبه إلى المعصية - صحيحًا إن كان الحب خارجًا عن الإرادة، فنعلم أن حبنا وبغضنا أمر نملكه ونملك مقدماته فإذا كنّا نملك مقدماته فلابدّ أن نحرص على أن نجعل مقدمات الحب صحيحة؛ تؤدي بنا إلى الحب في الله، حب الأفعال في الله وبغض الأفعال في الله، وحب الأشخاص في الله وبغض الأشخاص في الله.
إذا حدث ذلك، إن أبغضت فعلاً في الله، وأحببت فعلاً في الله فلا يمكن أن أتصف بخلاف ذلك، مثال الغيبة وهي من الكبائر المذمومة إذا كنت أبغضها لأن الله عز وجل يبغضها، فإني أبغضها مهما كان الذي تصدر منه، حتى ولو كان مني شخصيًّا، من نفسي، فلا أقبل من نفسي الغيبة كما لا أقبلها من الآخرين، أمّا إن كان بغضي للغيبة ليس لله، وليس لأن الله يبغضها - لحيثيات أخرى - إني أبغض الغيبة من غيري، وأقبلها من نفسي فهذا ليس بأمر صحيح، إذن مهمّ جدًّا أن نلتفت إلى مسألة الحب، والرّواية تتكلم عن المتحابين في الله، علاقة تجمع بين جمع من الناس يحبون بعضهم في الله، وهؤلاء عندما يحبّون بعضهم في الله لا يكون حبّهم مؤدّيا إلى المعصية، أو القبول بالمعصية، أنا عندما أحبّ أخي في الله، إن رأيته على معصية نهيته عنها، ومنعته منها، ولا أقبل له أن يرتكبها، الأب والأم إذا أحبّوا أبناءهم في الله لا يقبلون من أبناءهم الإنحراف عن شريعة الله عزّ وجلّ، فإذا أحبّوا أبناءهم حرصوا على أن يلتزم أبناءهم بما يريده الله سبحانه وتعالى، وهذا أمر جدًّا مهم وأمر مطّرد في كل العلاقات البشريّة، علاقة الإنسان بأي طرف كان إذا حكمتها هذه القاعدة؛ قاعدة الحبّ في الله عزّ وجلّ، من أجل الله سبحانه وتعالى فإنها تكون علاقة طيّبة مثمرة منتجة، وليست هذه العلاقة محدودة فقط بين المؤمنين، بل حتى مع غير المؤمنين، أنا عندما تربطني علاقة حبّ مع الكافر بالله، هنا أجتهد من أجل هدايته إلى طريق الله سبحانه وتعالى - بفعلي قبل أن يكون بكلامي - فإذا اجتهدت في ذلك ووصل هذا الكافر المنحرف عن خط الله إلى الهدى فزت وفاز، وإن رأيته مصرًّا على المنكر، وعلى الكفر، وعلى الطّغيان يكون هذا فراق بيني وبينه، ولا حبّ له في قلبي، هذه مسألة مهمّة، نحن لا نأتي فقط لنبغض من لا يؤمن بالله مباشرة، نحن أولًا في الأساس نحبهم ونريد لهم الهداية، فإن لم يريدوا الهداية كانوا هم من اختار فراقنا والابتعاد عنّا، ولكن لهم منّا التعامل بالعدل.

الاقتصاد وآثاره :
وفي رواية أخرى عن سيّدنا ومولانا زين العابدين “صلوات الله وسلامه عليه” قال: ” لينفق الرجل بالقصد وبلغة الكفاف ويقدم الفضل منه لآخرته فإن ذلك أبقى للنعمة وأقرب إلى المزيد من الله سبحانه وتعالى ونفع في العاقبة”.
هذه الرّواية تحمل جنبة اقتصاديّة في تعامل الإنسان فيما منّ الله سبحانه و تعالى عليه من المال، الإمام يبيّن للإنسان المؤمن؛ يقول له أنت لا بد أن تقتصد في الإنفاق، لا بخل ولا تقتير ولكن اقتصاد، حسن صرف، الإنفاق على ما فيه الحاجة وما فيه الكفاية (لينفق الرجل بالقصد وبلغة الكفاف) ما يكفي عائلته، وما يكفي من يعوله، هذا ما يجب على الإنسان أن ينفقه. وما يزيد، ما يفضل عن حالة الاقتصاد، حالة الكفاف - الأموال التي تفضل – قال: ( يقدّم الفضل منه لآخرته ) إذا حرص كل إنسان على الاقتصاد وعلى حسن إدارة موارده المالية فلابد أن يكون لديه فضل، مع التخطيط والإدارة والتنظيم يكون لدى الإنسان أي إنسان فائض معين قليل أو كثير يزيد عن حاجته، هذا الفائض يوصي الإمام”عليه السلام” يقول ( يقدم الفضل منه لآخرته ) هذا الزائد، وهذا الفاضل - الذي بقي- قدِّمه للآخرة، لماذا يقدّمه للآخرة؟ يبيّن الإمام “عليه السلام” العلّة فيقول: ( فإنّ ذلك أبقى للنعمة) هذا المال وهذا الرزق - الذي جاءك من الله سبحانه وتعالى- يبقى عندما تفعل هذا الفعل، تحوّل الفاضل الزائد عن الكفاف للآخرة، وهناك عدة طرق منها الواجب كالزكاة والخمس، ومنها المستحب كالصدقات وإقراض المؤمنين القروض الحسنة والخيرات والهبات وغيرها، وصلة الأرحام والتواصي بالحق بالمال، هذه أمور كلّها تقديم للفضل للآخرة، ليس المقام مقام تفصيلها هنا، الفائدة الأولى قال: ( أبقى للنعمة ) والثانية (وأقرب إلى المزيد من الله) الله سبحانه وتعالى ليس فقط يبقي النعمة، بل يزيد فيها عندما يحوّل الفاضل إلى المؤنة - الزائد عن الكفاية- إلى الآخرة، هذا يزيد في الرزق والثالث (ونفع في العاقبة) الخصلتان الأوليان كانتا في الدنيا بقاء النعمة وزيادة النعمة هذه في الدنيا، الثالثة في الآخرة، أنفع لك في العاقبة، الإنسان عندما يذهب الإنسان وقد حوّل بعض أمواله، يحضرني الآن الحديث المروي أو المعروف عن أبي ذر “رضوان الله تعالى عليه” عندما سئل ما لنا نكره الموت؟ قال بالمعنى: لأن الموت انتقال من هذه الدنيا إلى دار أخرى وأنتم عمرتم دنياكم وخربتم آخرتكم وكل إنسان يكره الإنتقال من دار العمار إلى دار الخراب، الإنسان إذا أحسن استثمار موارده الماليّة وأعدّ له مالًا ينفعه في آخرته لا يكره الموت والانتقال من هذه الدنيا لأنه سينقل إلى مرحلة آخرى معمّرة ومجهزة لاستقباله، نسأل الهف سبحانه وتعالى أن يوفقنا للاقتداء والعمل بما يوصي به أئمتنا صلوات الله وسلامه عليهم.

الشأن العام :
وهنا نبدأ بعدة نقاط في الشأن العام :
*السيستاني شمس في عالم الإسلام:
الأولى: نستنكر وبشدة الاعتداء الآثم الصادر من أحد رجال الدين في المملكة العربية السعودية بحق سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني “دام ظله” وهذا الفعل، وهذا الكلام الصادر من هذا وأمثاله لا يخدش في ساحة سماحة السيد حفظه الله ورعاه، السيد شمس في عالم الإسلام بل في عالم البشريّة يعرف قدره كل مؤمن ومسلم منصف، بل وكل كافر محايد ينظر إلى ما فعله السيد السيستاني “حفظه الله” وما أنجزه في خدمة العراق وفي خدمة البشريّة فيشكره على ذلك، والسيد لا يطلب شكرًا من الناس، والسيّد علاقته بالله سبحانه وتعالى، ومصدره الله عزّ وجلّ، ولذلك فإنّ الله سبحانه وتعالى عطف عليه قلوب المؤمنين، وجعله نورًا يهتدي به كلُّ طالب للحق، فهذا المعتدي وأمثاله من الجهلة، أو من المتجاهلين ؛الذين يريدون الإفساد في أمّة الإسلام ويريدون شق الصفّ الإسلاميّ الموحّد، ويتصيّدون ما يفرّقون به بين أمة محمد “صلى الله عليه وآله وسلم” هؤلاء هم إلى خسارة، والناس ستعي وتبتعد عنها وترفضهم وتستهجنهم، والحكومة السعوديّة مطالبة بإيقافهم عند حدهم، ولجمهم عن غيّهم. بعض الصحفيين في يوم مولد المسيح ” على نبيّنا وعليه أفضل الصلاة والسلام” تعدّى بمقال على أحد القساوسة والرّهبان المسيحيين في لبنان فاستنفرت الحكومة السعوديّة وذهبت للاعتذار من الرّاهب والقس المسيحيّ، وأرسلت السفير وغيره، وقامت الصحيفة التي نشرت مقال الاعتداء بالاعتذار، ولا نرى شيئًا من هذا في سماحة السيد السيستانيّ، إن دلّ ذلك، فإنّه يدلّ على بغض وحقد دفين، وعلى تميز فاضح وظلم غاشم يكون الله له بالمرصاد إن شاء الله.
*لابد من محاسبة الجناة على يتيمة الدير؟
في الشأن المحلي طالعتنا الأخبار كما تكررت كثيرًا عن الاعتداءات لقوّات مواجهة الشّغب - التي لا يحكمها قانون أو إنسانية أو إنصاف - في كثير من الموارد وفي حالة تسنّى كشفها إصابة إحدى الفتيات في قرية الدير داخل منزلها، وكلّ من رأى صور هذة الفتاة المستضعفة المظلومة أتصوّره قد تذكر الظلم الذي كان موجودًا في التسعينات، وتذكّر صور الشهداء، هذه الحادثة المؤلمة تتكرّر، قوات الداخليّة لا يردعها قانون، ولا تراعي أخلاقًا إنسانيّة وتنكر كثيرًا من ممارساتها الظالمة الخاطئة، قبل هذه الحادثة الإعلام سلّط الضوء على إصابة الدكتور عبدعلي النائب في مجلس النواب، ولم تعتذر وزارة الداخلية وبرّرت - ودائمًا هذا أسلوبها- في هذه الحادثة، وللإنصاف هناك بادرة تحقيق في القضية أتصور أنّها ناتجة عن رغبة من مجلس النوّاب من بعض النوّاب تحركت الداخلية للتحقيق في المسألة، وزارت بيت الضحيّة، هذا التحقيق مشكور، وجهد جيّد، خطوة جيدة من وزارة الداخلية أن تتحرك للتحقيق، ولكن المطلوب أيضًا أن يثمر هذا التحقيق بمحاسبة الجناة ومعاقبة المعتدين، وأن تتحرك النيابة العامة للأخذ بحق هذة المظلومة وغيرها؛ ممن ظلم في اعتداءات وزارة الداخلية، وقوات وزارة الداخليّة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى وزارة الداخلية مطالبة إذا كانت تريد الإصلاح، وإذا كانت تريد لهذا البلد أن يستقرّ به الأمن، أن تؤهّل أفراد قوّات الأمن، ونقول أدّبوهم وعلّموهم وأدخلوهم دورات في حقوق الإنسان كيف يتعاملون مع الإنسان، هؤلاء لا يتعاملون مع حيوانات، يتعاملون مع أناس بشر، ويدَّعون أنهم بشر فإن كانوا بشرًا فليتعاملوا بأخلاق الإنسان، وليراعوا حقوق الإنسان، العقاب الجماعي الذي ينزل بالقرى لمجرد وجود فئة بسيطة من أهل هذه القرى تعلن رفضها بطريقة غير مقبولة عندكم بحرق إطارات وغيرها أنتم لا تقبلون هذة الطريقة من هذة الفئة فلماذا تعاقب كل القرى والمناطق، مطالبة وزارة الداخلية بالتحقيق في هذة المسألة تحقيقًا جدّيًّا وأن تتولى النيابة العامة محاكمة ومحاسبة المعتدين والجناة لأنّه قطعًا هناك معتدين وجناة خالفوا القانون؛ بالهجوم على البيوت وهناك أدلّة فلابد من معرفتهم ومحاسبتهم وأيضًا مطالبة في مرحلة سابقة بتهذيب قوى الأمن وتدريب قوى الأمن تدريبًا إنسانيًّا متحضرًا.
*اهانة السواد مرفوضة:
النقطة الثالثة : أيضًا تتعلق بوزارة الداخلية والاعتداء على السواد الذي يضعة المؤمنون حدادًا وحزنًا على مصاب أبي الأحرار أبي عبدالله الحسين “صلوات الله وسلامه عليه” هذه البلد بتاريخها وبأعرافها تكرر وتجدد الحزن والأسى والجزع لمصاب الإمام الحسين” عليه السلام” في كل عام، وتظهر هذا الأمر بشعائر مختلفة، وممارسات مختلفة متفق عليها في هذا البلد، وأن تقوم وزارة الداخلية عامًا بعد عام بمهاجمة السواد، وقلع السواد، وإهانة السواد، السواد له قداسة وإهانة السواد بل والاعتداء على من يعترض على سلوكهم اللاقانوني واللاأخلاقي هذا أمر خاطئ ومرفوض، ولا بد من وزارة الداخلية أن تقف هنا وأن تراعي مصلحة هذا البلد، إذا كان وضع السواد في ناحية ما أو في جهة ما مخالفًا للعرف وللعادة فإن هذه الإعلانات السوداء شأنها شأن بقية الإعلانات التي ترفعها البلدية حسب ما نعرف، إذا وضع إنسان إعلانًا معيّنًا مخالفًا للقانون فالمسئول عن رفعه ووضع المخالفة عليه البلدية، ما دخل وزارة الداخلية في المسألة؟! لذلك هذا التصرف مرفوض ولابد للحكم أن يقف وان يوقف المعتدين في هذا الجانب أيضا.
*مسيرة في مواجهة رفع الأسعار:
قبل الختام أخواني تعلمون أن هذا اليوم دعت جمعيات سياسيّة، وبعض مؤسسات المجتمع الأهليّ إلى مسيرة جماهيريّة حاشدة؛ لمواجهة محاولة الحكومة رفع أسعار المحروقات، هذا كعنوان أوّل، طبعًا هناك تطمينات من الحكومة لا تؤدي إلى طمأنة الشارع والشعب؛ بأنها لا تنوي رفع أسعار المحروقات، هذا من جهة ومن جهة ثانية هناك أخبار أن الحكومة تسعى لرفع أسعار الكهرباء والماء، وبالتالي رفع الأسعار، أنا لست مختصًا، ولكن ما أفهمه بشكل بدوي أن رفع الأسعار في أي جهة من الجهات سيؤثر تأثيرًا سلبيًّا على المجتمع، إذا ارتفعت أسعار المحروقات- البنزين مثلًا- فإنّ كل الشركات تعتمد على البنزين فسترتفع أي شركة، وأي مؤسسة، وأي تاجر وأي كاسب من الكسبة سترتفع جهة مصروفاته يبيع السمك ويبيع اللحم ويبيع الخضرة ويبيع أدوات الصرف الصحيّ، مهما كان ما يبيعه وينتجه سيرتفع سعره؛ لارتفاع أسعار البنزين فسيؤثّر على كل المجتمع، رفع أسعار الكهرباء والماء على المواطنين أيضًا يؤدي إلى هذه النتيجة فالمسألة مترابطة، الاقتصاد مترابط، رفع السعر في جهة لا يعني رفعه هناك فقط، البلد تعيش حالة ارتفاع وغلاء في الأسعار، والشعب يتذمّر ومتأثّر من هذه الحالة، فلابدّ من أن تكون للشعب كلمته هنا، ولابدّ أن توقف الحكومة عن هذا التصرف، وما يشابه هذا التصرف، هذه مسؤولية الجميع أن يتكلم وأن يقف، صوتي وصوتك وصوته سيؤدي إلى نتيجة ما، فلابدّ أن نتحرك، ثم أنّ الحكومة إذا كان لها حرص على الوضع الاقتصادي في البلد، وتريد أن تواجه تضخّم الميزانية نسأل: عدم قدرة الحكومة على تلبية خدمات المجتمع ما سببها؟ سنذكر لكم سبب من الأسباب، التجنيس تأتون بمئات الآلاف وتجنّسونهم وتعطونهم الخدمات، تشاركونهم في الخدمات مع المواطنين من إسكان وصحة وتعليم، أنتم- الحكومة بفعلها هذا والحكم بفعله هذا- هو الذي أوقع نفسه في العجز ثم إذا أراد أن يعالج العجز يعالجه من أموال الفقراء والمستضعفين؟ أم يعالجه من خلال الأموال الكثيرة التي تصرف من وراء القانون ولا يعلم عنها مجلس النواب في بعض مؤسّسات الدولة، بعض مؤسسات الدولة لا تخضع للمحاسبة المالية، ولا يعرف من أين تنفق وفيما تنفق هذه الجهات، لا بدّ أن تحاسب وبالتأكيد إذا كان هناك شفافيّة ومحاسبة فسيتم إصلاح وضع جزء كبير من الوضع الاقتصاديّ للمستضعفين والفئة المتوسطة والفقيرة من هذا البلد، هذا من جهة ومن جهة أخرى قطع الأراضي التي توهب لمن لا يحتاجها، قطع أراضي بالمليارات وبالملايين توهب لأشخاص لا يحتاجونها ويحرم منها أبناء هذا البلد، هذه بعض الملفات، ولو جلسنا لنعدّد لا ننتهي، لذلك مسألة رفع الأسعار خط أحمر لا يمكن للحكومة أن تتجاوزه، ولتصلح الأوضاع الفاسدة في إدارتها لممتلكات الدولة، وممتلكات الدولة هي ممتلكات الشعب، وحق الشعب ولابد أن تصلح إدارتها لممتلكات الدولة، وإن كان لابدّ من أخذ المال من الناس فخذوا ممن وهبتموهم بلا قانون، وخذوا ممّن أعطيتموهم خلاف النظام وفي غفلة من الناس، لا تأخذوا من الفقراء المحتاجين والمستضعفين.
*الامتحانات مفصل مهم:
ختاما أخواني بدأ موسم امتحانات الفصل الدراسيّ الأوّل للطلبة فهنا رسالة سريعة لأولياء الأمور بالاهتمام، ونحن في بداية العام الدراسيّ أكدنا على أولياء الأمور والطلبة أن يكون هناك برنامج دراسيّ مميّز يمكّنهم من التفوق في طلب العلم والحصول على شهادات متقدمة. لكل من لم يهتم بهذا البرنامج أو أهمل ايجاد البرنامج: الأيام أيام امتحانات فلابد من رعاية هذه الأيام، التوجّه للطّلبة والطّالبات بأن يجدّوا ويجتهدوا بالمذاكرة، وأولياء الأمور لتوفير الأجواء المناسبة لأبنائهم، وبناتهم لكي يذاكروا من أجل الحصول على نتائج دراسية أفضل، ومن أجل أن يتطور الأبناء، ومن أجل أن يكون إنسان هذا البلد متقدّمًا وحاضرًا في مختلف المجالات والتخصّصات والميادين، ولا يكون لأحد أن يشكّك في قدرات شبابنا وشاباتنا وأبناءنا وبناتنا، مسألة الامتحانات مفصل مهمّ جدًّا، مهم أن يركّز أولياء الأمور والأبناء والطلبة على التفوق في الامتحانات؛ من خلال كفاءة وقدرة وجدارة، كما من المهم جدًّا أن يكون هناك تخطيط للفصل الدراسيّ القادم والأعوام الدراسيّة القادمة؛ بحيث يتقدم الطلبة والطالبات في تحصيلهم العلميّ والأكاديميّ، مع عدم إهمال الدين أو التساهل في تعلم أحكام شريعة سيدنا محمد سيد المرسلين والنبيين. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعًا لمراضيه، وأن يجنبنا معاصيه وأن يعجّل فرج سيدنا ومولانا صاحب العصر والزمان إنّه على كل شيء قدير وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

 

 

 

 



4

February

حديث الجمعة 11/12/2009م

أعوذ بالله من الشّيطان الغويّ الرّجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

الحمد للّهِ الْحَيِّ الْقَيُّومِ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ، لهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ، وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، وَلاَ يَؤُدُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ.
اللّهمّ صلِّ على السّادة الهداة والقادة الولاة.
اللّهمّ، صلِّ على الرّسول محمّد المصطفى، وعلى وصيِّه وأخيه عليّ المرتضى، وعلى ابنته فاطمة الصّديقة الشّهيدة الزّهراء، وعلى سبطيه الإمامين الشّهيدين الحسن والحسين، وعلى التّسعة الأئمّة المعصومين من ذريّة الحسين: عليّ بن الحسين، ومحمّد بن عليّ، وجعفر بن محمّد، وموسى بن جعفر، وعليّ بن موسى، ومحمّد بن عليّ، وعليّ بن محمّد، والحسن بن عليّ، والحجّة الخَلَف القائم المنتظر المهديّ (روحي وأرواح مَن في العالمين لتراب مقدمه الفدى).
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

* متاع الدّنيا قليل
قال الله (عزّ وجلّ): ﴿قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى﴾.
كلّ ما في هذه الدّنيا من أموال ونِعم كثيرة متعدّدة كالرّياض، والبساتين، والأراضي، والبيوت، والأملاك المتعدّدة، وكلّ ما هيِّئ لراحة الإنسان واستقراره وسعادته في هذه الدّنيا فهو قليل سواء كان خيرًا أم شرًّا، أي كان ما يتمتّع به الإنسان في هذه الدّنيا من حلال اكتسبه أم من حرام اغتصبه كلّه قليل، والخير كلّ الخير هو في الآخرة، يقول المولى (عزّ وجلّ: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾.
أنت أيّها الإنسان المؤمن، ما الذي تريده؟
هل تريد الدّنيا؟
هل تريد البيوت، والعقارات، والأموال، والنّساء، والأولاد؟
هل تريد هذه الدّنيا فقط أم لا؟
أنت تريد الآخرة؟
إنْ كنت تريد مالاً في هذه الدّنيا؛ كي تنفق على مَن يجب عليك النّفقة عليه، ولكي تساعد المحتاج والمضطر والمسكين والفقير واليتيم، فإنْ كنت من الصنف الثاني فهذا خير، فأنت تريد الآخرة، ولست مُريدًا للدّنيا.
وإنْ كنت مِن ذاك الصّنف الأول - والمستجار بالله تعالى - تريد أنْ تجمع في هذه الدّنيا فإنّ الله سبحانه وتعالى سيؤتيك ما تريد، أنت تريد الدّنيا سيؤتيك إيّاها، ولكن لن يؤتيك كلّ ما تريد، فانظر الآية ودقّة الآية قال (عزّ وجلّ): ﴿وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا﴾.
أنت تريد المليارات فربّما يعطيك الدّراهم، أو يعطيك الملايين، والإنسان الذي يطمع في هذه الدنيا لا يشبع ولا يكتفي أبدًا، ولكن مَن يريد الآخرة قال (عزّ وجلّ) ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾.
مَن أراد أنْ يدخل الجنّة، فكثيرون يقولون هكذا: نحن يكفينا أنْ نكون عند باب الجنّة والله سبحانه وتعالى يرفعهم درجات، ويضعهم مع الصدِّيقين والشّهداء والأولياء وحسن أولئك رفيقًا.
هناك زيادة عندما تنظر للآخرة، وليس فقط عندما تنظر للآخرة أنت تحصل عليها، بل يؤتيك الله سبحانه وتعالى من خير الدّنيا لا يحرمك من خير الدّنيا، لكنّك إذا كنت تريد الدّنيا فقط سواء كنت تريدها من حلال أم حرام فستحرم نفسك من الآخرة.
البعض لا يرتكب الحرام ولكنّه يريد الدّنيا فقط ولا ينظر إلى الآخرة، هو عندما لا يرتكب الرّبا ليس لأنّه يخشى الله تعالى ويريد الآخرة، بل لأنّه رأى التّجارب الكثيرة بأنّ الرّبا يرجع عليه بالخيبة والخسران وبالضّرر الماديّ – مثلاً -، فيقول أنا أتعامل المعاملات المحلّلة ولكن همّه فقط الدّنيا والدّنيا فقط، وهذا مشكل جدًّا.
مهم للإنسان المؤمن أنْ ينظر للآخرة، وأنْ تكون كلّ حركة وسكون منه ناظرة للآخرة والآخرة فقط، أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) يقول: “الدّنيا منية الأشقياء، والآخرة فوز السّعداء”، ما أعظمها من عبارة، فـ”منية الأشقياء” يعني الدّنيا هي ما يتمنّاه الأشقياء، الخاسرون المعذّبون هذا ما يتمنّونه، وربما يحصلون عليه وربما لا يحصلون عليه، وتقدم الكلام في الآية ﴿نُؤتِهِ مِنْهَا﴾ فهي منية لهم، أمّا الآخرة فوز السّعداء قطعًا، يحصل عليها من يريدها وهو سعيد فيها إذا عمل لها وجدّ واجتهد لها، وأمير المؤمنين يقول في موضع آخر: “عليك بالآخرة تأتك الدّنيا صاغرة”.
إنْ يمّمت وجهك نحو الله (عزّ وجلّ)، وعلّقت أملك نحوه سبحانه وتعالى، وعملت للآخرة، ولم تعرْ أيّ اهتمام للدّنيا وشهواتها وملذّاتها، ولم تخضع للضّغوطات التي ربما تأتيك من الزّوجة، ومن الأولاد، ومن الإخوان، ومن الجيران، ومن المجتمع، ومن الحكومات كلّ هذا لم تخضع له، ولم تتنازل وبقيت صابرًا محتسبًا ناظرًا للآخرة، هدفك الآخرة رضا الله (عزّ وجلّ)، فنتيجة ذلك يخبرنا بها أمير المؤمنين (عليه السلام) قائلاً: “عليك بالآخرة تأتك الدّنيا صاغرة”.
هذه الدّنيا التي يلهث وراءها الكثيرون هي تأتيك ولا تأتيك عزيزة ممتنعة أبدًا، بل تأتيك ذليلة لك خاضعة أمامك، لأنّك عملت واجتهدت نحو الآخرة وواجهت الشّهوات والمغريات، ولم تخضع أمام الضّغوطات التي تجتمع عليك من كلّ جهة وهذا أمر مهم جدًّا، ونسأل الله (عزّ وجلّ) أنْ يوفّقنا جميعًا بحقِّ أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأهل بيته (عليهم السلام) أنْ نبتعد عن تسويلات الشّيطان، والإخلاد للدّنيا، وأنْ يكون أملنا وعملنا نحو الآخرة.

* العمل للآخرة هو التزام بالأحكام الشّرعيّة
العمل للآخرة إخواني، هو بالتزام الأحكام الشّرعيّة، وبرعاية الضّوابط الإلهيّة، ولا تكفي المقولة التي يردّدها الكثيرون: “يكفي أنّ القلب نظيف، القلب أبيض”، فـ”ما دام قلبي أبيض، فهو كافٍ”، هذه عقيدة عند الكثيرين.
يذنب الفرد، فيكذب، ويغتاب، ويستهزئ، ويكرّر الفحش من الكلام، وقد يسرق ويمارس الكثير من المحرّمات ويقول: يكفي أنّ القلب صافٍ مؤمن بالله تعالى، قلبنا مؤمن بالله تعالى، فالله سبحانه وتعالى يغفر لنا، لا هذا ليس بكافٍ أبدًا، فلا بدّ أنْ يحرص المجتمع المؤمن على اختيار العمل الصّالح، واجتناب العمل المحرّم حرصًا شديدًا.

* من مظاهر السرقة
السّرقة إخواني، لها مظاهر عديدة، وليس فقط أنْ آتي بالقوّة – مثلاً -، وأغصب المال من الآخر، أو آتي بالخفاء في اللّيل فأتسوّر الجدران، وأسرق الأموال!!
إنّ من السّرقة أنْ أكون مؤتمنًا في العمل، وهناك أمانة أنْ أؤدّي وظيفة معيّنة – مثلاً -، فإذا وجد المسؤول قمت بوظيفتي، وإنْ غاب المسؤول أهملت وقصّرت، فأدخلت الخسارة على ربّ العمل، فهذا من السّرقة، وهذا من تضييع حقوق النّاس، نحتاج إلى حذر شديد في هذه الموارد.
مشكلة أنْ يعيش المجتمع المسلم حالة كهذه، حالات إهمال في حقوق الآخرين، وتضييع لحقوقهم، ثم ممّا يؤسف له وبشدّة جدًّا أنّ تضييع الحقوق من قبل شخص بأنْ يُهمل في عمله يزيّن له زملاؤه، وأهله، وإخوته هذا الإهمال!!
إنسان يقصّر في أداء التّكاليف الشّرعيّة، فيزيّن له ذلك، فقد تكلّمنا قبل فترة عن الإسراف، وأشرنا إلى بعض أبواب الإسراف، والإسراف في حالات الزّواج، فكم من شخص زُيِّن له هذا الإسراف، وهو لا يستطيع، وهو مديون فيأتي وينفق مبالغ طائلة في هذه الحفلات، ويأتي أهله بقولهم: هذا عملك مثل عمل بقيّة النّاس، فلا تترك، ولا تتراجع، لا بدّ أنْ تعمل بهذه الطّريقة، وفي غيرها من الأبواب قد يأتي وينظر له البعض كذنب بسيط - والمشكلة هذه الذّنوب التي يستحقرها النّاس، بل ينظرون لها على أنّها ليست بذنب -، يأتي إنسان لمكان مزدحم، فلا يجد موقفًا إلا في مكان غير مناسب أمام بيت بعض النّاس – مثلاً -، أو يُوقف سيارته خلف شخص آخر، يقدّر أنّ المكان غير مناسب ولكن صاحبه يقول له: النّاس كلّها عرفها هكذا، هذا لا ينظر إليه أحد كذنب، لا يجوز لك، لا يجوز إيذاء الآخرين وحجزهم، كم حدثت هذه الأمور، يأتي شخص للصّلاة، أو الآن موسم عاشوراء المبارك، فيقف بسيارته أمام بيت من البيوت قد يكون مَن في البيت مريضًا، ويحتاج الذّهاب إلى المستشفى بشكل طارئ، أو قد يكون موظّفًا وسيذهب إلى الدّوام، ويـتأخّر بسببك، ويُخصم من راتبه، وقد يُعطى إنذارًا بسبب هذه السيارة التي أوقفتها لمدّة ربع ساعة، أو نصف ساعة، أو ساعة، كثيرة هذه المواقف، فلنتأمّل، ونتفكّر، لنراجع أنفسنا، وسلوكياتنا وننظر.
سُئل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (صلوات الله وسلامه عليه) في يوم من الأيّام “أي صاحب شرّ؟، فقال (صلوات الله وسلامه عليه): “المزيِّن لك معصية الله”!
ليس الصّاحب الذي يمنعك المساعدة شرّ، وقد لا يكون الصاحب السيء الذي يغتابك هو أشرّ الأصحاب، قد يكون لك صاحب يغتابك ويستهزئ بك، قد يكون يسرق منك، ويأخذ بعض أموالك ويُتلفها، ولا يهتمّ.
هذا سيِّئ ولكنّه ليس الأسوأ، فأسوأ الأصحاب المزيِّن لك معصية الله (عزّ وجلّ)، يُزيِّن لك الغِيبة، ويُزيِّن لك النّظر إلى المحرمات، ويُزيِّن لك التّهاون في الواجبات، هذا شرّ الأصحاب، فلا بدّ من أنْ تحذر منه، – وللأسف - فهو كثير في أيّامنا هذه، كثير كثير جدًّا، ونحن مسؤولون إمّا أنْ نصلح من أحوال أصحابنا وإمّا أنْ نتركهم، لا أعلم ربما يزيِّن لي هذا الذّنب البسيط، فلا أنفتل من هذا الذّنب إلا إلى جوار الله (عزّ وجلّ)، مَن يعلم متى يأتيني الموت، فتذهب كلّ طاعاتي أدراج الرّياح بسبب هذا الصاحب الذي زيّن لي معصية الله تعالى، فمن المهمّ أنْ نلتفت إلى هذه الأمور، ونسأل الله (عزّ وجلّ) أنْ يحمينا، وأنْ يحرسنا بعينه التي لا تنام.

* شهادة ميثم التّمار
اليوم الثاني والعشرون من ذي الحجّة الحرام هو ذكرى استشهاد الرّجل المؤمن العظيم صاحب أمير المؤمنين (عليه السلام) ميثم التّمار (رضوان الله عليه)، فلا بدّ من أنْ نذكر هذا الرّجل، هذه القدوات العظيمة التي لا بدّ أنْ تكون راسخة في وجداننا وحاضرة في فكرنا.
ميثم(رضوان الله عليه) كان عبدًا عند امرأة من بني أسد، فاشتراه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وأعتقه، والرّوايات في فضل هذا الرجل عجيبة منها: أنّه دخل يومًا على أم سلمه (سلام الله عليها)، فسألته: من أين أنت؟ قال: عراقيّ، ما هو نسبك؟ قال: أنا مولى لأمير المؤمنين - أي أعجميّ لست عربيًّا أعتقني أمير المؤمنين (عليه السلام) –، فقالت: أنت هيثم؟ قال: بل ميثم، قالت: ربما سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في ليلة من اللّيالي يوصي بك عليًّا (عليه السلام).
ما شاء الله! رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الأعظم يوصي بميثم، فهو ليس بالرّجل الهيِّن.
يوم من الأيّام يقف ميثم، ويخاطب عبد الله بن عباس حبر الأمّة - أجمعت الأمّة على أنّ ابن عباس عالم جليل يسمونه بترجمان القرآن - يقف له ميثم، ويقول له: سلني ما شئت في تفسير القرآن، فقد علّمني عليّ (عليه السلام) تفسيره، وتأويله!
هذا ميثم ولعظمته، ولأنّه علم بين أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام)، عندما تمكّن الطّاغي اللّعين عبيد الله بن زياد من الكوفة، وبعدما قتل مسلم وهاني تحرّك؛ ليتمكّن من رؤوس أصحاب عليّ؛ كي يضعف المجتمع الكوفيّ، فجيئ بميثم، وقيل له: هذا من خواص أصحاب عليّ، فتعجب: أعجمي؟!، ودارت بينهما محادثة مشهورة معروفة خلاصتها أنْ رجع عبيد الله خائبًا بعد أنْ حاول أنْ يخالف ما أخبر به أمير المؤمنين (عليه السلام) في كيفيّة استشهاد ميثم، فكانت النتيجة أنْ صُلب ميثم (رضوان الله عليه)، وبعد أنْ صُلب وعلّق على جذع نخلة بدأ ببث فضائل أهل البيت (عليهم السلام) وذمّ بني أمية.
ما هي هذه البلد؟!!
هذه الكوفة التي تسمع رجلاً من الأتقياء الأولياء يبيِّن لها الحقائق، وفضائل أهل البيت (عليهم السلام)، ومناقبهم، ويبيّن مثالب بني أمية، فيبادر عبيد الله بن زياد إلى لجمه، وفي بعض الرّوايات إلى قطع لسانه!
الكوفة التي سمعت هذه الفضائل من الرّجل المصلوب ومع ذلك حاربت الحسين (عليه السلام) بعدها بعشرين يومًا.
استشهد ميثم (رضوان الله تعالى عليه) قبل وصول الحسين (عليه السلام) إلى كربلاء بعشرة أيّام، استشهد في الثاني والعشرين من ذي الحجّة، ووصل الحسين (عليه السلام) إلى كربلاء في الثاني من محرّم.
نسأل الله تعالى أنْ يحشرنا معه على خطّه موالين لأهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين).

الشأن العام
• عاشوراء على الأبواب
عاشوراء على الأبواب، فبعد أسبوع يبدأ موسم عاشوراء، وعاشوراء إخواني للكرامة والفضيلة وللعفّة والشّرف؛ لأداء الواجبات، واجتناب المحرّمات، وللتّمسّك بالمستحبّات.
عاشوراء ليست إحياء شكليًّا صوريًّا، وإنّما هي انتماء عقائديّ عميق راسخ في القلوب.
هي حرارة في قلوب المؤمنين تنبض وتشتعل بالحبّ لله (عزّ وجلّ)، ولآل البيت (عليهم السلام)، فلا يجوز لنا أنْ نسمح لأعداء عاشوراء بأنْ يشوِّهوا صورة عاشوراء إمّا بأنفسهم، وإمّا من خلال تشويه سلوكيّاتنا وتصرفاتنا، نقتنع بما يمليه أعداء عاشوراء فنشوِّه صورة عاشوراء الحسين (عليه السلام)، هدينا ورشدنا في التّعامل مع عاشوراء هو توجيه المراجع الأعلام والفقهاء العظام، هي آداب الإسلام، فلا نقبل بالتّهتّك في الحجاب والستر، ولا نقبل باللِّباس الغربيّ المنسلخ عن الهويّة، ولا نقبل بترك الشّعائر والمواكب والمنابر والاكتفاء بالفُرجة وغيرها من الهامشيّات.
عاشوراء مسؤوليّة حملها لنا الآباء لا بدّ أنْ نحملها للأبناء مسؤوليّة الجميع.
العاصمة تكون مهوى أفئدة العشّاق للحسين (عليه السلام)، فلا بدّ أنْ تكون الممارسة الحسينيّة في عاشوراء الحسين في المنامة بأجلى صور البهاء والطهارة، وأنْ لا نقبل لبعض المخدوعين أنْ يندسّ بيننا فيشوِّهوا صورة عاشوراء.
لا بدّ أنْ نقف الوقفة الشّجاعة الإيمانيّة القرآنيّة بالموعظة بالتي هي أحسن، وبكلمة الحق فنقف أمام كلّ مَن يريد أنْ يشوِّه عاشوراء قاصدًا عامدًا، أو غافلاً ساهيًا ناسيًا بالتي هي أحسن، نقف وننصح ونتواصى بالحقّ، ونتواصى بالصبر؛ لنحفظ هذا الموسم العظيم.

• اليوم العالمي لمناهضة التّمييز
لقد مرّ اليوم العالميّ لمناهضة التّمييز، أو لمواجهة التّمييز، ومحاربة التّمييز، ورفض التّمييز، وهذا البلد يعجّ بأنواع وأصناف التّمييز!!
لا بدّ من أنْ تتكاتف الجهود - جهود أبناء هذا الشعب -؛ لتبيِّن للمسؤولين وللحكّام ما يقوم به من تمييز في مختلف المفاصل بأنّه خطر عليه قبل أن يكون على الشّعب، وأنّ هذا التّمييز لن يكون فيه صلاح هذه الأرض، ولن يكون من وراءه إلا كلّ شر، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
العدل مهمّ والتّمييز ظلم، ولا بدّ أنْ نقف في وجه التّمييز، وأنْ نرفض ثقافة التّمييز من كلّ شخص صدرت منه، ومن كلّ جهة تصدر منها، وأنْ نطالب بالعدالة والإنصاف، فهذه مسؤوليّة شرعيّة عامّة وشاملة.
• الاعتداء الآثم
من جهة أخرى آلمنا جدًّا، وآذى أنفسنا خبر الاعتداء على منزل الأخ علي منصور ممثِّل الدّائرة التّاسعة في مجلس بلدي الشّماليّة حيث تعرّض منزله للحرق، واحترقت عدّة سيارات، وكاد المنزل أنْ يحترق، وأنْ تذهب الأرواح ولكنّ الله سبحانه وتعالى لطف برحمته، فسلّم الأخ وعائلته من هذا الحريق المُفتعل قطعًا.
ونحن هنا نستنكر هذا الحريق، ونحذِّر من أنْ تنفلت الأوضاع في هذا البلد، ونؤكّد أنّ هناك جهات تريد هذا الانفلات.
فلا ينبغي أن ينشغل أبناء الشّعب بما يعيشونه من أوضاع أمنيّة متردِّية، فيغفلون عن السّراق والمفسدين، لذلك هناك مصلحة أكيدة لبعض المتنفِّذين في جرّ هذا البلد نحو انفلات أمنيّ، ونحو تردٍ في الأوضاع الأمنيّة، لأنّهم في ذلك الحين سيتمنّون أكثر من استغلال خيرات البلد، ومن سرقة خيرات هذا البلد.
فمن المهم جدًّا أنْ تحرص كلّ فئات الشّعب، وأنْ يحرص المخلصون من المسؤولين، أو مَن يريد صلاح هذا البلد على تجنيب البلد حالة الانفلات الأمنيّ، وحالة عدم الاستقرار في هذا الجانب؛ لكي تتمكّن البلد من الخروج من حالة الفساد، ومن تحقيق حالة الإصلاح.
• الحمد لله على سلامة الوالد الشيخ
ختامًا نشكر الله (عزّ وجلّ)، ونحمده حمدًا كثيرًا جزيلاً على أنّه منّ بلطفه وكرمه ورحمته على سماحة الوالد القائد آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم (حفظه الله) بالسلامة والعافية بعد عمليّة جراحية أجريت له، ونسأله سبحانه وتعالى أنْ لا يحرمنا خير وجوده، وأنْ لا يعدمنا بركة ظلِّه، وحكمته، ونورانيّته.
ونسأل الله سبحانه وتعالى أنْ يوفِّقنا لمراضيه، وأنْ يجنّبنا معاصيه، وأنْ يشفي مرضانا، وأنْ يفكّ أسرانا، وأنْ يُعَجِّل فَرَجَ سيّدنا ومولانا صاحب العصر والزّمان، إنّه على كلّ شيء قدير.
وصلّى الله على محمّد وآله الطّاهرين.

 

 

 

 



1

February

حديث الجمعة 27/11/2009 م

أعوذ بالله من الشّيطان الغويّ الرّجيم
بسم الله الرّحمن الرّحيم

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَـكَ الْحَمْدُ بَدِيْعَ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ، ذَا الْجَلاَلِ وَالإكْرَامِ، رَبَّ الاَرْبَابِ وَإلهَ كُلِّ مَألُوه، وَخَالِقَ كُلِّ مَخْلُوق، وَوَارِثَ كُلِّ شَيْء، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَـيْءٌ، وَلا يَعْزُبُ عَنْهُ عِلْمُ شَيْء، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْء مُحِيطٌ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء رَقِيبٌ، أَنْتَ الله لاَ إلهَ إلاَّ أَنْتَ الأحَـدُ الْمُتَوَحِّدُ الْفَرْدُ الْمُتَفَرِّدُ، وَأَنْتَ اللهُ لاَ إلهَ إلاَّ أَنْتَ الْكَرِيمُ الْمُتَكَرِّمُ، الْعَظِيمُ الْمُتَعَظِّمُ، الْكَبِيرُ الْمُتَكَبِّرُ، وَأَنْتَ اللهُ لاَ إلهَ إلاَّ أَنْتَ العَلِيُّ الْمُتَعَالِ، الْشَدِيْدُ الْمِحَـالِ.
وصلِّ اللّهمّ على أئمّة المؤمنين، وسادة المتّقين، وكبراء الصّدِّيقين، وأمراء الصّالحين، وقادة المحسنين، وأعلام المهتدين، وأنوار العارفين.
اللّهمّ، صلِّ على الرّسول المصطفى، وعلى وصيه وأخيه عليّ المرتضى، وعلى ابنته فاطمة الزّهراء، وعلى سبطيه الحسن والحسين، وعلى الأئمّة المعصومين من ذريّة الحسين: عليّ بن الحسين، ومحمّد بن عليّ، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعليّ بن موسى، ومحمد بن عليّ، وعليّ بن محمد، والحسن بن عليّ، والحجّة الخلف القائم المنتظر المهديّ روحي وأرواح من في العالمين لتراب مقدمه الفدى.
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أوصيكم ونفسي الأمّارة بالسّوء بتقوى الله تعالى، واجتناب محارمه، والالتزام بما أمر به من واجبات، والسّعي قدر الإمكان للمواظبة على المستحبّات، والابتعاد عن المكروهات، فإنّ ذلك بلا شكّ ولا ريب هو ما يأخذ بالإنسان للقرب من الله سبحانه وتعالى، وفي القرب من الله (عزّ وجلّ) سعادة بني آدم، وأنسهم، وراحتهم، وكمالهم، ونسأل الله (عزّ وجلّ) أنْ يأخذ بأيدينا إليه، وأنْ يوفِّقنا للتوبة ممّا لا يرضيه، وممّا يسخطه، ونسأله (عزّ وجلّ) أنْ يمنّ علينا بلطفه ورحمته، ويوفّقنا لطاعته، واجتناب معصيته.

• التاسع من ذي الحجّة عظيم الشأن
التّاسع من ذي الحجة يوم مبارك عظيم الشّأن، وفيه عدّة مناسبات:
أوّلها: إنّه يوم عرفة وهو يوم عظيم جدًّا، وله من المنزلة عند الله سبحانه وتعالى الشيء الكثير والكبير، وهو يوم عبادة، وتقرّب، وطاعة، ونسأل الله تعالى أنْ يوفّقنا فيه لذلك.
ثانيها: في هذا اليوم كان تبليغ سورة براءة، بلّغها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (صلوات الله وسلامه عليه)، وكما يعرف الجميع أنّ هذه السورة عندما نزلت أراد الله سبحانه وتعالى أنْ يكون إبلاغها في الحجّ حيث النّاس مجتمعة من كلّ حدب وصوب، فبعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أبا بكر إلى الحجّاج؛ ليبلغهم هذه السّورة فما أنْ تحرك أبو بكر وإذا بجبرائيل (عليه السّلام) ينزل على المصطفى (صلّى الله عليه وآله)، ويقول له: إنّ الله (عزّ وجلّ) يقول: إنّه لا يبلغ عنه إلا أنت، أو رجل منك، وهذا الحديث وصلنا بطرق كثيرة متعدّدة جدًّا، من طرق العامّة فضلاً عن طرق الخاصّة، فهنا نادى رسول الله (صلّى الله عليه و آله) عليًّا (عليه السلام)، وقال له: الحق بأبي بكر، وخذ منه السورة وخيّره بين أنْ يمضي معك، أو أنْ يرجع، فتحرّك أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولحق بأبي بكر عند المنطقة المعروفة الآن بـ(أبيار عليّ) - تقريبًا ميقات مسجد الشّجرة في هذه المنطقة - وبلّغ أبا بكر ما أمر به رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فأختار أبو بكر العودة إلى رسول الله إلى المدينة، وهناك استفسر: هل نزل فيه قرآن يذمّه، أو يمنعه، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): لا ، إنّما جاء أمر أنّه لا يبلغ عن الله إلا أنا أو رجل منِّي، والذي منّي – أي من الرّسول (صلّى الله عليه وآله) - هو عليّ بن أبي طالب (صلوات الله وسلامه عليه).
وللأسف هناك في الأمّة الإسلاميّة مَن يكتم الحقائق، أو يحاول أنْ يشوِّه السيرة، فلا يبيّن هذه الحقيقة كاملة، يبيّن جزءًا منها، أو ينكرها.
البعض توسّل بأنْ هناك بعض الأسانيد التي روي بها هذا الحديث فيها خدش، وفيها ضعف، فأنكر الحديث من أساسه بينما طرق الحديث متعدّدة وكثيرة ومختلفة في عدّة أسانيد ومساند لعلماء العامّة إذا كان فيهما سندان فيها ما ضعف والبقيّة أسنادها قويّة، فالحادثة واقعة وصحيحة بدون شكّ أو ريب.
في هذا اليوم يوم عرفة يوم الحجّ الأكبر قد بلّغ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (صلوات الله وسلامه عليه) البراءة من الله تعالى حيث بلّغ الآيات الأولى من سورة براءة قال الله (عزّ وجلّ): ﴿بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ * وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ إلى آخر الآيات المباركة من سورة براءة، وكان فيما بلّغه أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا اليوم أربعة أمور أساسيّة:

أوّلها: إنّه أُلغي العهد مع المشركين
كان بين رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والمشركين عهد ألغاه الله (عزّ وجلّ) في هذا اليوم.
ثانيها: لا يحقّ للمشركين الحجّ في المواسم المقبلة
أيضًا كان ممّا أُعلن في هذا اليوم أنّه لا يحقّ للمشركين أنْ يحجّوا في المواسم المقبلة، حتى هذا الموسم كان الحجّ لجميع الناس المسلمين والمشركين، ومن هذا اليوم أعلن أنّ الأعوام القادمة لا يجوز، ويُمنع المشركون من دخول الحرم.
ثالثها: منع العراة من الطواف
ممّا أعلن في هذا اليوم أنّه لا يسمح للعراة بالطّواف، ففي الجاهليّة كان العراة يطوفون بالبيت عادة موجودة نساءً ورجالاً حيث يطوفون بالبيت عُراة، ومنذ هذا اليوم مُنع الطّواف بالبيت للعراة.
رابعها: المنع من الحجّ ودخول البيت الحرام
كما وأعلن في هذا اليوم منع المشركين من دخول البيت الحرام، وأنْ يحجّوا، ومنع من دخولهم البيت الحرام.
فسابقًا قد يأتي المشرك ويدخل البيت الحرام في غير الحجّ، أما في هذا اليوم فقد مُنع حتى في غير الحج.

• هل يصحّ إلغاء المعاهدة من طرف واحد؟
وهناك إثارات تُطرح في هذه الآيات المباركة، لا يتّسع المقام لذكرها، وسنتطرّق إلى إثارة واحدة قد تكون شبهة تجول في أذهان البعض حيث يقول: هل يصحّ إلغاء المعاهدة من طرف واحد.
إنّ المعاهدة هي اتّفاق بين طرفين، فهل يصحّ لأحد الطّرفين أنْ يلغي المعاهدة؟
إذا كان ذلك يصح انتهت المسألة، وإذا كان لا يصح، فهذا ظلم!، ويقولون: إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ظالم – والعياذ بالله تعالى -، وسنأتي؛ لنبّين بعض الأمور في هذه المسألة:
أوّلا: إلغاء العهد للحماية من غدر المشركين
بالنسبة لخصوص حادثة البراءة هذه، وإلغاء المعاهدة، فهناك قرائن ودلائل كانت عند رسول الله (صلّى الله وعليه وآله وسلّم) أنّه هناك مجموعة من المشركين ينوون نقض عهدهم، ويعزمون على ذلك، وليس هذه أوّل مرّة، فقد نقضوا صلح الحديبية سابقًا، فهم يصالحون ما دامت لديهم فائدة من هذا العهد والصّلح وبمجرّد أنْ يعيشوا القوّة، ويجدون أنّهم متمكِّنون من إيذاء المسلمين ينقضون العهد!
كانت هناك قرائن تدلّ على ذلك، فاستبق الرّسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - وبأمر من الله تعالى - الموقفَ فأعلن هو إلغاء للمعاهدة.
ويستفاد هذا من بعض الآيات القرآنية التي جاءت في هذه السورة من الآية الثّامنة في سورة براءة قوله تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾، وفي الآية العاشرة – أيضًا -: ﴿لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ هؤلاء واضح جدًّا أنّهم لا يراعون القرابة مع المسلمين، ولا الذّمّة والعهود مع المسلمين، يريدون بمجرد أنْ يجدوا فرصة أنْ يقتنصوها، ويعتدوا على الأمّة الإسلاميّة، لذلك كان هناك سبق من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهذا أمر معروف في المعهادات بين الدول ما إنْ تعلم، أو يعلم أحد طرفي المعاهدة بأنّ الطّرف الآخر يريد أنْ يعتدي عليه حتى يبادر بحماية نفسه، وتحصين دولته، فهذا شيء معروف.

• كيفيّة إلغاء العهد من النّبي (صلّى الله عليه وآله)؟
كيف ألغى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبأمر من الله تعالى هذه المعاهدة بينه وبين المشركين؟
لقد تمّ بخطوات معيّنة:
أوّلاً: إلغاء المعاهدة مع المشركين فحسب
هو لم يلغِ المعاهدة مع جميع الكفّار، أو مع جميع غير المسلمين، فلقد ألغى المعاهدة مع المشركين، أمّا أهل الكتاب فلم يلغِ عهده معهم، فقط قد تمّ مع المشركين لماذا؟، لأنّ المشركين يعيشون خرافة، ويعيشون إلغاء العهد بأقصى درجاته، يعبدون الأحجار والأخشاب، يعبدون أصنامًا وأوثانًا لا تُغني، ولا تنفع.
العقل لا يقبل هذا أنْ يكون الإنسان العاقل المفكِّر خاضعًا لحجر، وخاضعًا لشجرة، هذا أمر خطيرعلى البشريّة جدًّا، وإلغاء لما كرّم الله تعالى به الإنسان وهو هذا العقل، هذه الطّاقة العظيمة جدًّا، فأهل الذّمّة أهل الكتاب كانوا يعبدون الله سبحانه وتعالى.
نعم عندهم انحرافات، وعندهم أخطاء ولكن بالنتيجة يعبدون الله تعالى، يعبدون إلهًا قادرًا متعاليًا، بينما هؤلاء المشركون يعبدون الأصنام، وهذا خطر كبير على البشريّة، لذلك إلغاء العهد مع هؤلاء؛ لكي يرجعهم إلى عقلهم، وإلى رشدهم، ويضغط عليهم؛ ليفكّروا، ويتأمّلوا، ويتدبّروا، وينظروا هل في عبادتهم للأصنام من خير؟، فإذا فكّروا، وتدبّروا، وتأمّلوا وجدوا أنّ هذه الأحجار، وهذه الأوثان لا تغني من الحقّ شيئًا، فيعودون إلى عقولهم، ويؤمنون بعبادة الله (عزّ وجلّ).
ثانيًا: إلغاء المعاهدة لم يكن فجائيًّا
إنّ إلغاء المعاهدة لم يكن فجائيًّا بحيث إنّ المشركين كانوا يجلسون في بيوتهم مطمئنين مرتاحين فجاءتهم جيوش الإسلام؛ لتقتلهم، وتفنيهم عن بَكرة أبيهم، وتغدر بهم، أبدًا، فلقد جاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأعطاهم فسحة من الوقت أربعة أشهر قال: ﴿فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾، عندكم أربعة أشهر ترتِّبون صفوفكم إمّا أنْ تؤمنوا وترجعوا إلى الحقّ وتدخلوا في دين الله تعالى.
فإمّا أنْ تقرّوا، وإمّا أنْ ترتّبوا صفوفكم، وتستعدوا للحرب، والقتال؟
مَن في هذا العالم يلغي معاهدة، ويعطي العدو فسحة من الوقت والزّمان؟!
معاهدة فيها جنبة عسكريّة وليس معاهدة تجارة، معاهدة عسكريّة فيها حرب وقتال يعطى العدو أربعة أشهر؛ لكي يعدّ صفوفه، ويرتّب جيوشه، ويستعدّ للقتال، هذا هو ما فعله رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
طبعًا هذه الأربعة أشهر كانت للذين بينه وبينهم معاهدة غير محدّدة، أمّا مَن كان بينه وبين رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) معاهدة محدّدة بفترة معيّنة أقل من أربعة أشهر، أو أكثر من أربعة أشهر كان الرّسول (صلّى الله عليه وآله) ملتزمًا بتلك المعاهدة.
بعض المشركين الذين كانوا يعبدون الأوثان كانت معاهدتهم إلى تسعة أشهر، فبقي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على تلك المعاهدة ما داموا ملتزمين بها وببنودها هو التزم بها إلى نهاية المدّة.
ثالثًا: المشركون على علم بإلغاء المعاهدة
كان إعلان إلغاء المعاهدة في مكان بحيث لا يمكن أنْ يدّعي أيّ طرف - ولو كان صغيرًا من أطراف المعاهدة - أنّه لم يعلم بها.
المشركون كانوا على علم بإلغاء المعاهدة، لأنّ الإعلان كان في يوم الحجّ حيث جميع العرب مجتمعون هناك، فقد أعلنها صريحة واضحة وعلم بها الجميع، ثم كلّ من رجع إلى بلده كان يخبر الآخرين، وعادة النّاس هكذا أنّ الحاجّ عندما يذهب وفي طريق عودته يسأل دائمًا ما أخبار الحجّ؟، وما هي الأمور المهمة التي حدثت في الحج؟، فكان الحجّاج في ذلك العام عندما رجعوا ليس فقط إلى بلدانهم، بل على طول الطّريق الذي يمرّون به ما إنْ يلتقوا بأحد إمّا هم يبادرون بالإخبار وإمّا ذاك يسأل فيخبرونه بهذا الخبر المهم جدًّا.
من هذه الأمور وغيرها نعرف بأنّ إلغاء المعاهدة كان في مكانه وموقعه، وكان له ثمار إيجابيّة كثيرة حيث إنّ كثيرًا من المشركين راجعوا أنفسهم وتأمّلوا، وعرفوا بأنّه لو كان في هذه الأصنام خير لساعدتهم ولحمتهم، ولكنّها أحجار لا تُغني ولا تنفع.

• استشهاد مسلم بن عقيل
ومن المناسبات – أيضًا - في هذا اليوم التّاسع من ذي الحجّة الحرام هو استشهاد الفقيه العظيم مسلم بن عقيل (سلام الله عليه)، هو وصاحبه هاني بن عروة حيث قتلهم عُبيد الله بن زياد (عليه لعنة الله)، وفي مثل هذا اليوم المبارك كانا أول الشّهداء في قافلة الحسين (صلوات الله وسلامه عليه)، هذان العظيمان استشهدا في مثل هذا اليوم، وقَدّما روحيهما في سبيل الله (عزّ وجلّ).
• منزلة مسلم بن عقيل
وهنا أنا أقرأ رواية رواها الشيخ الصدوق (عليه الرّحمة) في أماليه عن عليّ بن أبي طالب (صلوات الله وسلامه عليه) قال لرسول الله: “يا رسول الله، إنّك لتحبّ عقيلاً قال - أي الرّسول (صلّى الله عليه وآله) -: أي والله، إنّي لأحبّه حبّين حبًّا لأبي طالب له، وإنّ ولده مقتول في محبّة وَلَدك، فتدمع عيون المؤمنين، وتصلّي عليه الملائكة المقرّبون، ثم بكى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتى جرت دموعه على صدره، ثم قال: إلى الله أشكو ما تلقى عترتي من بعدي”.
إنّ هذه الرواية التي رويت عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيها كثير من الاستفادات، منها:
1- إنّ لهذا الرّجل (مسلم بن عقيل) مكانة عظيمة عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بحيث إنّه لحبّه إيّاه أحبّ أباه.
2- إنّ هذا الرّجل تصلِّي عليه الملائكة، فهو مستحقّ لصلاة المؤمنين عليه (صلّى الله عليه)، وعلى الثّلة المؤمنة مع الحسين (عليه السلام).
3- إنّ هذا الرّجل المؤمن قُتل على الحقّ، فقاتله ظالم غاشم، ولا يمكن أنْ يكون في دائرة رضا الله سبحانه وتعالى.
4- إنّ حبّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لعقيل كان لسببين:
السّبب الأول: هو حبّ أبي طالب له، فإذا كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يحبّ عقيلاً، لأنّ أبا طالب يحبّه إذًا هو يحبّ أبا طالب، وإذا كان يحبّ أبا طالب، فهل يحبّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مشركًا؟!، فأبو طالب (سلام الله عليه) مؤمن، والأدلة على ذلك كثيرة، منها هذه الرّواية التي فيها أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يحبّه، إضافة إلى أدلّة أخرى ليس المقام مقام تفصيلها.
السبب الثاني: لأنّ مسلم (عليه السلام) مقتول في محبّة الحسين (عليه السلام)
سلام الله على مسلم، وهاني، ونسأل الله سبحانه أنْ يجعلنا لهما من المحبِّين، وأنْ يحشرنا معهما ومع الحسين وجدّه وأبيه وأمّه وأخيه.

• نقاط الشّأن المحلِّي
* الشّأن التّعليميّ وفيه نقطتان:
النّقطة الأولى: البحرانيّون في مدينة قطر التّعليميّة
هناك خبر بأنّ أكثر المسجِّلين من الطلاب في مدينة قطر التّعليميّة - مدينة جامعية تعليميّة في دولة قطر الشّقيقة - بعد القطريين هم البحرانيّون!
نسبة عالية من المسجلين الذين هم من 89 دولة، أعلى نسبة هي نسبة طلاب البحرين، وهذا الخبر يعطي أنّ شباب البحرين وفتيات البحرين هم من الحريصين على طلب العلم، وعلى الحصول على العلوم المفيدة لمجتمعهم، هذا الحرص من الطلاب، ومن العوائل، وأولياء الأمور من الضروريّ جدًّا أنْ يكون في قباله حرص أكبر من قبل الحكومة، ومن قبل وزارة التّربية والتّعليم.
هنا نداء إلى وزارة التّربية والتّعليم بأنْ تحثّ الخطى، وإلى الحكومة أنْ تجعل للتّعليم دورًا مهمًّا؛ من أجل بناء العنصر البشريّ في هذا البلد، ولا يكفي من الحكومة أنْ تهتمّ ببناء المباني والتّطوير العمرانيّ والبشر هم في حاجة إلى بناء، وإلى توفير الأمور الأساسيّة التي يحتاجونها.
التّعليم أمر مهم جدًّا، ووزارة التّربية والتّعليم مطالبة بتطوير عمليّة التّعليم ككلّ، في البلد، في مختلف المراحل، ومختلف المفاصل.
إذا كان هناك ثلّة قليلة نسبيًّا من طلاب البحرين يرفضون التّعليم بشكل جزئيّ، أو يتململون من التّعليم، ويحاولون الفرار من التّعليم، فذلك بسبب خلل في منهجيّة التّعليم الحكوميّ، وإلا بطبيعة شعب هذه الأرض أنّه محبّ للتّعليم، ولطلب العلم، والتّاريخ يشهد على ذلك، والقطاعات التّعليميّة تشهد على ذلك.
فمن المهم جدًّا للحكومة أنْ تراجع حساباتها، فالتّعليم والتّربية لهما دور كبير في حفظ أمن هذا البلد، وفي استقرار وضع هذا البلد، وفي تطور هذا البلد اقتصاديًّا، وعلى مختلف الجوانب.

النقطة الثّانية: رياض الأطفال في البلد
قد تمّ صرف مبالغ بأثر رجعيّ لمعلِّمات رِياض الأطفال، ولا أركّز على هذا الخبر، ولكن سأتكلّم على وضع رياض الأطفال في البلد.
الآن مرحلة رياض الأطفال مرحلة أساسيّة في العمليّة التّعليميّة، والقائمون على هذا القطاع يشكون الكثير من النّواقص، والكثير من المشاكل، فمن المهم جدًّا أنْ تتحرّك وزارة التّربية والتّعليم، وتتحرّك الحكومة من أجل الارتقاء بوضع هذا القطاع، وأنْ يكون هناك دعم حكوميّ مادِّيّ ومعنويّ لهذا القطاع باعتباره القطاع الأول الذي يؤسّس العمليّة التّعليميّة لدى الأجيال.

النقطة الثّالثة: حملة الاعتقالات
من جهة أخرى تتوارد الأنباء وتتكاثر في الأيّام الماضية عن اعتقالات في مناطق مختلفة، البلد في كلّ يوم نسمع بأنّ هنا اعتقال، وهناك اعتقال، ونحن حتى الآن لم نخرج من الأزمة الأمنيّة السابقة، فإنْ كانت تسعى الأجهزة الأمنيّة إلى توتير الوضع بشكل جديد، وبشكل شديد فهذا أمر مرفوض، ونحن بدورنا نسأل: هذه الاعتقالات هل هي على أسس علميّة، وعلى أسس قانونيّة، فإذا كانت هذه الاعتقالات ليست على أسس قانونيّة - وكما عهدنا على مرّ العقدين السابقين بأنّ الأجهزة الأمنية تتصرّف بما يحلو لها، وتخالف القانون كثيرًا، ولا يمكن محاسبتها، وما زلنا نصرخ للأخذ بحقوق ضحايا التّعذيب في فترة التّسعينات، ومحاسبة المعذِّبين الذين هم جزء لا يتجزَّأ من الأجهزة الأمنيّة، وهذا الملف حتى الآن لم يعالج! وتأتي الأجهزة الأمنيّة، وتستمرّ في هذا النّهج السّابق -، فهذا ليس في مصلحة البلد أبدًا.
المشاكل السياسيّة، والاختلافات السياسيّة في البلد لا يكون حلّها بهذه الطّريقة، وبالتّوتير الأمنيّ، فمن أجل صالح هذا البلد، وحاضر هذا البلد، ومستقبل هذا البلد، فلتراجع الأجهزة الأمنيّة حركتها، وليقف أصحاب القرار في وجه هذه الأجهزة، وأنْ تُمنع هذه الأجهزة من التّصرّف خلافًا للقانون.
القانون كما يطبق على الضّعيف والفقير، فلا بدّ من أنْ يطبّق على المسؤول والمتنفِّذ.

• عيد الأضحى
ختامًا: بعض المسلمين في هذا اليوم وحسب الدّليل الشرعيّ الاجتهاديّ الذي يتّبعونه يعيشون يوم عيد الأضحى المبارك، وهناك اختلاف فقهيّ تعيشه الأمّة الإسلاميّة، واجتهادات متعدّدة وفق بعض الاجتهادات يكون أول ذي الحجّة هو يوم الأربعاء، ووفق البعض الآخر يكون أول ذي الحجّة هو يوم الخميس، وبالتالي عيد الأضحى يتردّد بين يوم الجمعة ويوم غد السبت، ونحن وما نريده أنْ يعيشه المجتمع هو أنْ نبارك لِمَن كان بحسب تقليده، وبحسب المذهب الذي يتّبعه اليوم هو يوم عيد الأضحى نبارك له، ونتمى له أيّامًا سعيدة ومباركة وهانئة وكل خير، كما نتمى لِمَن يكون يوم السبت عيدًا له كذلك، وليست هذه الاختلافات مدعاة للفرقة، أو التّشرذم إذا كان التّفهم والمحبّة سيدا الموقف.
إنّ مثل هذه الاختلافات هي مصدر للتّواصل والتّراحم والتّواد أكثر وأكثر، أما إذا غاب التّفهم، وجاء سوء الظنّ مكانه، وجاء الاستنقاص والانتقاص والصّفات الذّميمة مكانه، فلا شكّ ولا ريب أنّ هذا الاختلاف سيكون مدعاة للفرقة والتّشرذم، فالأمر راجع لنا كيف نتعامل مع هذه الاختلافات.
نبارك لجميع الأمّة الإسلاميّة هذه الذِّكرى المباركة ذكرى عيد الأضحى المبارك.
نسأل الله سبحانه وتعالى أنْ يوفّقنا جميعًا لمراضيه، وأنْ يجنّبنا معاصيه، وأنْ يجعل هذا البلد آمنًا، وأنْ يفكّ قيد الأسرى، وأنْ يعجِّل فَرَج سيِّدنا ومولانا الحجّة بن الحسن (صلوات الله وسلامه عليه).
والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمد وآله الطّيِّبين الطّاهرين.

 

 

 

 



1

February

حديث الجمعة 20/11/2009 م

أعوذ بالله من الشّيطان الغويّ الرّجيم  

بسم الله الرّحمن الرّحيم  

الحمد لله ربّ العالمين، اَللّـهُمَّ لَكَ الْحَمدُ حَمدًا يَصْعَدُ أوَّلُهُ وَلا يَنْفَذُ آخِرُهُ.  

اَللّـهُمَّ، لَكَ الْحَمدُ حَمْدًا تَضَعُ لَكَ السَّماءُ كَنَفَيْها، وَتُسَبِّحُ لَكَ الأرْضُ وَمَنْ عَلَيْها.  

اللّـهُمَّ، لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا سَرْمَدًا أبَدًا لاَ انْقِطاعَ لَهُ وَلا نَفادَ، وَلَكَ يَنْبَغي، وَاِلَيْكَ يَنْتَهي فِيَّ وَعَلَيَّ وَلَدَيَّ وَمَعي وَقَبْلي وَبَعْدي وَأمامِي وَفَوْقي وَتَحْتي، وَإذا مِتُّ وَبَقيتُ فَرْدًا وَحيدًا، ثُمَّ فَنيِتُ، وَلَكَ الْحَمْدُ إذا نُشِرْتُ وَبُعِثْتُ يا مَوْلايَ.  

اَللّـهُمَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، وَلَكَ الشُّكْرُ بِجَميعِ مَحامِدِكَ كُلِّها عَلى جَميعِ نَعْمائِكَ كُلِّها حَتّى يَنْتَهِيَ الْحَمْدُ إلى ما تُحِبُّ رَبَّنا وَتَرْضى.  

اللّهم، صلّ وسلّم على سَيِّدِ الأنْبِياءِ وَخَيْرِ الأوْلِياء، وَأفْضَلِ الأصْفِاءِ وَأعْلَى الأزْكِياءِ مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وصلِّ على ِوَصِيِّهِ الَّذى نَصَبَهُ يَوْمَ الْغَديرِ، وَعلى بضعته الطّاهرة فاطمة الزّهراء، وعلى الأئِمَّةِ الأبْرارِ وَالْخُلَفاءِ الأخْيارِ سَيِّدِ أوْلادِهِ الْحَسَنِ بْنُ عَلِىٍّ، ثُمَّ أخيُه السِّبْطِ التّابِعِ لِمَرْضاة اللهِ الْحُسَيْنِ، ثُمَّ الْعابِدِ عَلِىٍّ، ثُمَّ الْباقِرِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ الصّادِقِ جَعْفَرٍ، ثُمَّ الْكاظِمِ مُوسى، ثُمَّ الرِّضا عَلِىٍّ، ثُمَّ التَّقِىِّ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ النَّقِىِّ عَلِىٍّ، ثُمَّ الزَّكِىِّ الْعَسْكَرِىِّ الْحَسَنِ، ثُمَّ الْحُجَّةِ الْخَلَفِ الْمُنْتَظَرِ الْمَهْدِىِّ روحي، وأرواح مَن في العالمين لتراب مقدمه الفدى.  

السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.  

·        قبول التّوبة  

روي عن سيّدنا ومولانا الإمام أبي جعفر محمّد الباقر (صلوات الله عليه) أنّه قال: “يا محمد بن مسلم، أترى العبد المؤمن يندم على ذنبه، ويستغفر الله تعالى منه، ويتوب إليه، ثم لا يقبل الله توبته؟!، قلت: فإنْ فعل ذلك مرارًا يذنب، ثم يتوب يستغفر، فقال: كلّما عاد المؤمن بالاستغفار والتّوبة، عاد الله عليه بالمغفرة، وإنّ الله غفور رحيم، يقبل التوبة، ويعفو عن السيئات، فإيّاك أنْ تقنط المؤمنين من رحمة الله”.  

 هذا الحديث الشّريف المرويّ عن سيّدنا ومولانا الإمام الباقر يتكلّم عن التّوبة، وعن أنّ الله (عزّ وجلّ) يقبل التّوبة من عباده، ويأتي لذلك بطريقة تجذب النّفوس إلى اليقين بهذة المسألة، حيث إنّ الشيطان الرّجيم (عليه لعنة الله تعالى) يجتهد اجتهادًا شديدًا؛ لكي يبعث اليأس من رَوح الله تعالى في نفوس المؤمنين، ويصوِّر للمؤمنين أنّ الله (عزّ وجلّ) لا يقبل توبتهم ورجوعهم إليه بعد أنْ عصوه، فيأتي الإمام الباقر (صلوات الله عليه)، فيقول: إنّه إذا ندم العبد المؤمن على ذنبه، ثم استغفر الله تعالى، وطلب من الله (عزّ وجلّ) المغفرة، وعزم عزمًا شديدًا على التّوبة، وعلى عدم الرّجوع إلى الذنب مع هذه الحالة يقول: أتجد أنّ الله (عزّ وجل) لا يقبل التّوبة؟!  

 الرّحمن الرّحيم الذي شمل برحمته كلّ هذا الوجود لا يقبل توبة مَن تاب إليه، ورجع إليه، وعلم بذنبه وخطأه، وأقرّ بذلك يقبل، ولكن هناك تساؤل من محمّد بن مسلم (رضوان الله عليه)، حيث يسأل الإمام (عليه السلام) فيقول: له إنْ فعل ذلك مرارًا أذنب، ثم تاب، ثم عاد وأذنب، ثم تاب، ويكرّر الأمر ويذنب ويتوب ويذنب ويتوب حتى في هذة الحالة يغفر الله سبحانه وتعالى لعبده؟ - لأنّه يكون الإنسان في هذه الحالة وكأنّه استهزاء بالله تعالى كذب على الله (عزّ وجلّ)، وعدم مراعاة لحضرته المقدّسة، فكأنّما الشّيطان يوسوس بهذا الأمر ويرسخه في النفوس -، فيأتي الإمام (عليه السلام)؛ ليقلع هذه الفكرة الخاطئة، ويقول: كلّما عاد المؤمن إلى الاستغفار والتّوبة عاد الله تعالى عليه بالمغفرة إنّ الله غفور رحيم، غفور أي كثير المغفرة، ولكي نعرف كثرة مغفرته، فلننظر إلى قدرته المطلقة، وعلمه المطلق، وإرادته التي لا يحدّها شيء، فنعلم بأنّه قادر على المغفرة الكثيرة المتكرّرة جدًّا، ولا يمنعه من ذلك شيء خصوصًا مع علمنا برحمته.  

·        المؤمن لا يقنط  

ويحذّر الإمام (عليه السلام) من أنْ يقنط الإنسانُ المؤمن، وأنْ ييأس من رحمة الله (عزّ وجلّ)، كما يحذّر من مساعدة إبليس وشياطينه على بعث روح اليأس من رحمة الله تعالى في نفوس الناس.  

إنّ باب الرّحمة مفتوح، وأن أعظم الطغاة والجبابرة والظّلمة والمفسدين في الأرض لو عادوا إلى التّوبة، وإلى الله تعالى لتاب الله عليهم ما لم يعاينوا الموت، فإذا عاينوا الموت انتهى الموضوع.  

فلا بدّ أنْ نسعى سعيًا حثيثًا للتّوبة.  

·        الرّوايات لا تدعو إلى التّسويف  

إنّ مثل هذه الرّوايات إخواني، لا تساعد على التّسويف والمماطلة في التّوبة، فلا تجعلني أنا المذنب المقصر أتمادى في ذنبي، لأنّني كما هو مفترض بأنّني أعلم أنّني لست بخالد، كما لا أعلم متى تأتي ساعة الموت، ومتى أموت، فلا أعلم، ولا أعرف هل الآن، أو بعد ساعة، أو بعد يوم، أو بعد سنة، فكم من شاب في مقتبل العمر قد انتقل إلى جوار ربّه، وكم من شيخ كبير وعجوز طاعن في السنّ امتدّ بهما العمر؟!  

·        المسارعة إلى التّوبة والاستغفار عين العقل  

 مع هذه المقدّمة المهمة المفروغ منها واليقينيّة، فإنّنا لا نعلم متى نموت، فلا بدّ من المسارعة إلى التّوبة والاستغفار بشكل صادق، وذلك بإرجاع الحقوق إلى أصحابها، وتأدية الواجبات التي تعلقت بذمّتنا لله (عزّ وجلّ)، أو لعباده، مع هذه التوبة الحقيقيّة التي تتوفّر فيها جميع شروط التّوبة، فالله سبحانه وتعالى يقبل منّا، ويأخذ بأيدينا.  

نسأل الله سبحانه وتعالى أنْ يوفّقنا لتوبة حقيقيّة، وأنْ يحمينا، ويحرسنا من شياطين الجنّ والإنس الذين يجتهدون لإبعادنا عن التّوبة، وعن الاستغفار، وعن العودة لله (عزّ وجلّ).  

·        الإسراف ذَنْبٌ  

ثم نتكلم عنه ذنب من الذّنوب، وهو من كبائر الذّنوب التي يكاد المجتمع المسلم والمؤمن يغفل عنها غفلة شبه تامة، قال الله (عزّ وجلّ): ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ.  

إنّ الإسراف ذنب، ورذيلة الإسراف هذه الصفة إذا تخلّق بها الإنسان كان ممّن يبغضهم الله (عزّ وجلّ)، فالله سبحانه وتعالى يقول: إنّه لا يحبّ المسرفين، فكيف بإنسان ضعيف محتاج هو عين الفقر والحاجة أنْ يواجه جبار السماوات والأرض؟!، وأنْ يضع نفسه مع الذين لا يحبّهم الله (عزّ وجلّ)؟!  

لا يمكن للإنسان - إنْ كان محبًّا لنفسه وإنْ كان عاقلاً - أنْ يقبل عند تقسيم البشر إلى قسمين: قسم يحبّهم الله تعالى، وقسم لا يحبّهم الله سبحانه.  

 لا يمكن لهذا الإنسان العاقل أنْ يقبل لنفسه أنْ تكون مع مَن لا يحبّهم الله (عزّ وجلّ)، ومَن لا يحبّهم الله تعالى كثيرون ومنهم المسرفون.  

وهذه الصّفة الذّميمة - للأسف الشّديد - لها انتشار في المجتمع المؤمن في جهة وأخرى، ولا نقول: إنّ المجتمع يعيش الإسراف في كلّ مفاصله، وكلّ الجهات والجوانب، ولكن هناك جوانبَ يعيش فيها المجتمع الإسراف، ولا يستنكر أبناء المجتمع على بعضهم البعض الإسراف فيها، والأمثلة قد يطول بها الكلام ولكن إذا كان هناك متسع قد نتطرّق إلى بعضها.  

·        معنى الإسراف  

ما المقصود من الإسراف؟  

 قيل: إنّ الإسراف هو أكل ما لا يحلّ لك، والإنفاق في غير طاعة الله تعالى، هذا قول.  

 والقول الآخر: إنّ الإسراف هو أنْ يأكل الإنسان، وينفق أكثر ممّا ينبغي.  

 إنّ القول الأول واضح الحرمة، من أنّ الإنسان ينفق فيما لا يجوز له، ويأكل ما لا يحل له، بحيث يأكل الحرام، فينق الأموال في الحرام، وينفق في غير طاعة الله تعالى، أو فيما لا يُرضي الله (عزّ وجلّ)، فهذا واضح من أنّه إنفاق في الحرام بحيث يشتري الأمور اللّهويّة المحرّمة، يأكل الطّعام المحرّم، يلبس اللّباس المحرّم، يُنفق في هذه الجهة، فمثل هذا واضح أنّه حرام، فهذا قول في الإسراف.  

 هناك قول آخر في الإسراف: إنّ الإسراف ليس هو الإنفاق فيما لا يجوز، بل إنّ الإسراف هو الإنفاق فيما يجوز ويحل ولكن أكثر ممّا ينبغي.  

 مقدار حاجة الإنسان من الشيء الفلاني – مثلاً – بمقدار، أو مقدارين هو ينفق، فيأخذ أربعة مقادير، أو خمسة مقادير، أو ستّة مقادير، ومقدار طاقته في الصّرف هو مقدار معيّن متعارف بين النّاس لكنّه يذهب ويصرف بشكل أكبر من المقدار المتعارف بين الناس، هذا هو الإسراف.  

وهنا تكون مشكلة على هذا المعنى، ففي الكثير من المفاصل في المجتمع نجد أنّ النّاس تمارس هذا السّلوك، فهو يحتاج – مثلاً - إلى مقدار معيّن من الأثاث يكفيه، فتراه يشتري الكثير ويقوم – مثلاً -  بتبديل أثاثه بدون أنْ يتلف الأثاث السّابق، فهنا يقول: إنّه يتمتّع بنعم الله تعالى الذي أنعمها عليه، ففي كلّ عام يغيّر أثاثه مع أنّ الأثاث لم يتلف، فعندما يتلف الأثاث له أنْ يغيّره ولكن مادام أثاثًا جميلاً جديدًا، فلا عيب فيه، فلِك التغيير؟!  

 ومثال آخر: يقوم البعض بصباغة منزله بشكل دائم في كلّ سنة، أو كلّ ستّة أشهر!!  

إنّ التغيير في الألوان في مثل هذا من الإسراف.  

ومن حالات الإسراف – أيضًا - هي حفلات الزّواج الرّجاليّة أو النّسائيّة، فهناك مفاصل كثيرة في حفلات الزّواج الرّجاليّة أو النّسائيّة – والمقام ليس مقام تفصيل – فيها كثير من الإسراف، وفيها صرف بلا هوادة.   

إمّا فيما لا يجوز على حسب المعنى الأول وهذا واضح الحرمة، أو فيما لا ينبغي فهناك مقدار متعارف.  

اليوم نرى عادات اجتماعيّة تدخل جديدة، فكلّ يوم عادات تتجدّد، وفيها الإنفاق الذي لا داعي له، ثم تصبح عادة، وبعد أنْ تصبح عادة تصبح ضرورة، ومَن لا يتوجّه في هذا الإنفاق فهذه الطّريقة في الزّواج يكون محل عيب وانتقاص من الناس.  

فمن المهم جدًّا أنْ ندقّق في المصاريف، وأنْ نبحث عن رضا الله سبحانه وتعالى، رضا النّاس إذا كان فيه عدم حبّ الله تعالى بحيث أنْ أدخل في الفئة التي لا يحبّها الله سبحانه وتعالى، فلا فائدة من هذا الرّضا، رضا النّاس في ليلة، أو في يوم، أو في أسبوع أمام أنْ لا يحبّني الله (عزّ وجلّ) هذا أمر مهم جدًّا، ويجب أنْ نلتفت إليه، ونحذر منه، وأنْ تكون هناك حركة جادّة في المجتمع؛ لإيقاف حالة الإسراف، وحالة التّبذير التي يبغضها الله (عزّ وجلّ)، إضافة للآثار الاقتصاديّة السيئة جدًّا على المجتمع، ومن هنا فإنّ الإمام السّجاد (صلوات الله وسلامه عليه) يقول في دعاء مكارم الأخلاق: “اللَّهُمَّ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّـد وَآلِـهِ، وَامْنَعْنِي مِنَ السَّرَفِ، وَحَصِّنْ رِزْقِي مِنَ التَّلَفِ، وَوَفِّرْ مَلَكَتِي بِالْبَرَكَةِ فِيهِ”.  

 الإسراف إتلاف للمال، والإمام فالسجاد (عليه السلام) يسأل الله سبحانه وتعالى أنْ يمنعه منه، ويحصّن رزقه من أنْ يبتلى بهذه الآفة – وهذا على سبيل لك الكلام واسمعي يا جارة -.  

 نسأل الله سبحانه وتعالى.  

·        هناك بعض النّقاط في الشأن العام  

أوّلاً: شعار المجلس لسنة 1431هـ  

أطلق المجلس الإسلاميّ العلمائيّ شعاره السنويّ للعام 1431 للهجرة، وهو (معًا  في مواجهه الغزو غير الأخلاقيّ)، لا شكّ ولا ريب بأنّ هناك غزوًا يستهدف الأمّة الإسلاميّة كلّ الأمّة الإسلاميّة في مختلف الجهات: في الجوانب الثّقافيّة، وفي الجوانب الاقتصاديّة، وفي الجوانب الأخلاقيّة والسّلوكيّة، وفي الجوانب المعرفيّة، بل في كلّ الجهات هناك غزو، هناك هجوم شرس، وقيّضت الملايين والمليارات من الأموال؛ لتمويل هذا الهجوم، ومن أجل تزريق ثقافة بعيدة جدًّا عن الإسلام في أوساط المجتمع المسلم بحيث يتقبّل المجتمع المسلم عادات وسلوكيّات، وأفكار دخيلة لا تمّت لمبادئه بِصلة، بل تناقضها مناقضة شديدة بحيث تهدّمها وتفرّغها من محتواها ومواجهة هذا الغزو، وهذا الهجوم هو واجب الأمّة الإسلاميّة كلّها، من باب التّمثيل أنّ الجسم البشريّ عندما يغزوه فيروس معيّن، جرثومة معيّنة كلّ الجسم بمختلف أعضائه وأجهزته يدافع كلّ بطريقته وبنحوه رفضًا لهذه الجرثومة؛ لكي يحافظ على سلامته وإذا كان هناك ضعف في جهاز، أو في عضو، ولم يستطع الدّفاع، وتمكنت الجرثومة من التّغلغل فيه، فإنّها تتمكّن وبسهولة جدًّا من أنْ تقعد هذا الإنسان، وهذا الجسم، وأنْ تعطّل أغلب الوظائف الحيويّة فيه.  

 حال المجتمع البشريّ لا يختلف عن حال الجسم البشريّ.  

 هناك أفكار دخيلة وسلوكيّات دخيلة، هذه السّلوكيّات تهدم المجتمع، المجتمع الإسلاميّ إذا تمسّك بالإسلام الحقيقيّ ولو بدرجة معيّنة، فإنّه يقود الأمم.  

 هذه حقيقة ثبتت تاريخيًّا، فالتّاريخ أثبت أنّ المجتمع المسلم قاد البشريّة، ولكنّه الآن متأخر بسبب هذه السموم السلوكيّة، والسموم الفكريّة التي زرعت فيه، وزرّقت إليه، واستقبلها، وقبلها في وسطه.  

فمن المهم أنْ يتحرّك كلّ المجتمع المسلم؛ لمواجهه هذا الغزو، وهذا الغزو يستهدف وبقوة أخلاق المجتمع، المبادئ الأخلاقيّة التي يقوم عليها المجتمع، فترى المجتمع يتقبّل أخلاقًا دخيلة واضحة الفساد في السابق، ويشرّع الآن لها المجتمع، ويبرّر لها، ويؤسّس لها، والمفاصل كثيرة جدًّا، ولا بدّ أنْ نقف كلّنا وقفة رجل واحد في مواجهه هذا الغزو خلف المجلس الإسلاميّ العلمائيّ.  

إنّ المسألة ليست وظيفة جهة معيّنة، فمواجهه هذا الغزو من مسؤوليّة المؤسّسات المختلفة - أيضًا - كلّ مؤسّسة بما يناسبها؛ لكي تحمي أخلاق هذا المجتمع ممّا يهجم علية بطريقة غير أخلاقيّة، ومسؤوليّة الأفراد والأسر – أيضًا -.  

 نسأل الله تعالى أنْ نوفّق جميعًا لهذه المواجهة إنْ شاء الله تعالى، وأنْ نبذل أكثر وأكثر في هذا الطريق.  

ثانيًا: من المهازل: البحرين تُحفظ بالتّجنيس!  

هناك سؤال صارخ لِمَن قال: إنّ عروبة البحرين تُحفظ بالتّجنيس  

هناك شخصيّات لها وزن، وترى أنّها شخصيّات لها فكر ولها رؤية، فلا بدّ أنْ توظّف؛ من أجل مصلحة هذا البلد تخرج وتقول: “إنّ التّجنيس موجود؛ ليحفظ عروبة البحرين”، نحن لا نقبل هذا الكلام، ولكن نسأل هذا الأخ العزيز: كيف تحفظ عروبة البحرين عندما يصبح أحد أعضاء غرفة التّجارة لا يتقن اللّغة العربيّة؟  

 الآن بعد انتخابات غرفة التّجارة قد وصل أحد أعضاء المجلس وهو لا يتقن اللّغة العربيّة هذا الآن، أما الدّورة القادمة فلا ندري كم واحد سيدخل.  

إنّ انتخابات مجلس النوّاب في الدّورة القادمة والتي بعدها لا ندري كم واحد سيدخل وهو لا يتقن اللّغة العربيّة وهو بحرينيّ!!  

 إنّ قانون التّجنيس في البلد هل يسمح بذلك؟  

·        في المراجعة استنارة  

 راجعوا أنفسكم يا مَن تريدون أنْ تحافظوا على هذا البلد.  

 التّجنيس نار تأكل الأخضر واليابس، وتهاجم مصالح أبناء هذه الأرض، فلا بدّ من مراجعة جادّة لِمَن يؤيّد التّجنيس، فهذا التّجنيس العشوائيّ؛ من أجل تخريب ديمغرافيّة البلد، ولا بدّ أنْ تتحرّك الجهات المخلصة لهذا البلد التي تعي خطر التّجنيس في مواجهته بقدر الإمكان من خلال فعاليات، ومن خلال التّحرّكات القانونيّة السلمية التي تؤدي - إنْ شاء الله تعالى - إلى مواجهة هذا الخطر المحدق ببحريننا العزيزة.  

ثالثًا: نورانا ومشروع السِّيف  

إنّ مشروع نورانا ومرسى السِّيف اللّذان سينشآ على سواحل بعض القرى في المنطقة الشماليّة تشوبهما الكثير من الإشكالات القانونيّة التي صدمت بها الجهة الرّسميّة، ثم بدأت التّبريرات والتّخريجات والتّعديلات، وكلّ ذلك من أجل بعض المتنفِّذين الذين يستولون على المال العام.  

 هذه أراضي الشّعب، وهذه بِحار الشّعب، فليكن هناك وضوح من الذي يُمَلِّك هؤلاء؟، وكيف تَمَلَّكَ هؤلاء؟  

إنّ أراضي النّاس، وأراضي شعب البحرين للشّعب، وإنّ البحرين وبحر البحرين الذي يحيط بهذه الجزر لشعب البحرين، فمَن الذي ملّك حِفنة من المتنفّذين لهذه الأراضي، وهذه البحار؟ هذا سؤال يحتاج إلى جواب بشفافيّة إذا كانت هناك شجاعة، أمّا أنْ تضع النّعام رؤوسها في التُّراب، فلن يقبل أبناء هذه الأرض أنْ تسلب خيراتهم وهم صامتون، لذلك هناك فعالية مهرجان خطابيّ مساء يوم الأحد في كرانة، فنهيب بالمؤمنين وأبناء الوطن بالمشاركة؛ لإيصال صرخة مفادها: إنّنا لن نقبل بسرقة أراضينا اليوم في كرانة وغدًا في غيرها.  

من المهم جدًّا أنْ يتحرّك المجتمع من أجل ذلك.  

رابعًا: الاتّحاد الطلابيّ يواجه الرّفض!  

مشروع الإتحاد الطّلابي الذي يواجه الرّفض من الجهات الرّسميّة، ومسألة التّعليم في البحرين فيها الكثير من النقص وفيها الكثير من الخلل وعمليّة التّعليم في البحرين تتراجع بشكل كبير بعد أنْ كانت للبحرين الرّيادة في بدايات القرن الماضي، والآن البحرين متراجعة في العمليّة التّعليميّة، فهذه العمليّة لا بدّ لها من تصحيح وتقويم وتطوير، وإنّ تطوير هذه العمليّة وتصحيحها وتقويمها كما يحتاج إلى الخبراء والمتخصّصين فإنّه يحتاج أيضًا إلى آراء وجهود المستفيدين من هذه العمليّة، فطلاب المدارس والجامعات والمعاهد وهم أصحاب كفاءة، وأصحاب رأي بينهم مَن لديه الكفاءة والرّأي والقدرة لا بدّ أنْ تؤخذ آراءهم، وأنْ يكون هناك تشكيل وتشكل يطوّر أداءهم، ويطور انتقاداتهم للنّظام التّعليميّ، والهدف من ذلك هو تطوير العمليّة التّعليميّة وليس تعقيدها، أو تسييسها الهدف تطوير التّعليم، مخرجات التّعليم واضح أنّها في البحرين تضعف يومًا بعد يوم، وحاجة البحرين إلى الكفاءات تزداد يومًا بعد يوم، فما المانع من تطوير العمليّة التعليمية؟، وأحد مفاصلها أنْ يكون اتّحاد طلابيّ ناشط ينظِّم الجهود الطلابيّة، ويرتقي بها ويطوّرها، لذلك الجهات المسؤولة مطالبة أنْ تراجع قرارتها في هذا الجانب، وأنْ تلتفت إلى أهمية تطوير العمليّة التّعليميّة من مختلف المجالات.  

خامسًا: الخمر من أشرّ الموبقات  

إلى متى ستواصل الجهات الرّسميّة السّماح بأوضح محرّمات الشّريعة؟  

الخمر ملعون شاربها حاملها حافظها إلى آخره، فكلّ ما يتعلق بالخمر ملعون، والجهة الرّسميّة والمؤسّسة الرّسمية تصر على السّماح بهذه المنكرات في البلد، وفي كلّ يوم هناك مأساة، فساد أخلاقيّ متعلّق بالخمر موجود ولو كان الضّرر على شاربي الخمر فقط.  

 لا نقول أنّ الشّرع يسمح لنا بالسّكوت بل نقول: إنّ التّخاذل والتّهاون ومشاكل الحياة تسمح لنا بالسّكوت، فضغوط الحياة تقول هذا يشرب الخمر إلى جهنم وبئس المصير، فالشرع لا يسمح لنا بالسّكوت، ولا ببيع الخمور، وتداولها؛ ليخرج المخمورون للإفساد وللقتل.  

 إنّ الحادث الأخير الذي ذهب ضحيّته أحد الشباب وهو زهرة من زهرات هذا الوطن، وأمل ومستقبل هذا البلد قد قتله مخمور في سيارة، وغيرها حوادث كثيرة.  

·        من دواهي الدّهر!!  

ينقل البعض - ولست مطلعًا على قوانين البلد بتفاصيلها -: إنّ حادث السير إذا حدث من مخمور تخفّف عنه العقوبة، لأنّه لم يكن في وعيه!!  

فإذا صحّ مثل هذا، فهو مشكلة كبيرة، وطامة.  

 يريدون أنْ يسكروا، وأنْ يذهبوا عقولهم، فلتذهب عقولهم ولكن لا يقتلوا أبناء البلد، ويخرّبوا ممتلكات هذا البلد.  

ومن هنا نطالب - مطالبة هي من نافلة القول في دولة تدّعي أنّ شرعها إسلاميّ - أنْ يمنع المسكر في هذا البلد، وأنْ تمنع المسكرات، ولنرَ المتباكين على الشّريعة كيف سيتصرّفون مع هذا الملف؟!  

 نسأل الله سبحانه وتعالى أنْ يوفّقنا جميعًا لمراضيه، وأنْ يجنّبنا جميعًا معاصيه، وأنْ يجعل هذا البد آمنًا، ويعجِّل فَرَج سيِّدنا ومولانا صاحب العصر والزّمان، إنّه على كلّ شيء قدير.  

وصلّى الله على محمّد وآله الطّاهرين.